العربية   Français  English

كلمة معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي في افتتاح ندوة الربانيون: وراثة النبوة وعظم المسؤولية مدينة سيؤون-الجمهورية اليمنية

في الفترة: 19-21/11/1431هـ و27-29/10/2010م

بمناسبة:اختيار مدينة تريم عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2010م

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أصحاب المعالي والفضيلة،
أيها الحفل الكريم،
أحييكم بتحية الإسلام، تحيةً طيبة مباركة، فسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأشكر كل من أسهم في الإعداد لهذه الندوة التي تنظم ضمن النشاط الثقافي الجاري بمناسبة اختيار مدينة تريم، عاصمة للثقافة الإسلامية للسنة الحالية، إشادة بتاريخها الثقافي الإسلامي الحافل.

وموضوع الندوة "الربانيون وراثة النبوة وعظم المسؤولية" يتصل بفئة من الأمة لها الفضل على غيرها، في حفظ العلم الذي به يحفظ الدين، والدين أعظم المصالح الخمس الكلية التي تنتهي إليها مقاصد الشريعة في أحكامها وآدابها، بمختلف أنواعها ومراتبها.
فاستقراء الشريعة في مصادرها ومواردها، في كلياتها وجزئياتها، يُبرز الدين في المرتبة الأولى من المصالح، تليه مصلحة النفسُ، ثم العقلُ، ثم النسل أو العرض أو النسب، ثم المال. والأمر كما قيل:
إذا سلِم الدينُ القويمُ من الأذى ..... فكلُّ أذىً فيما سواه سـلامُ



فبالعلم الذي شرَّف الله به أهلَه وأنالَهم فضلَه، حفظ الله هذا الدين.
فتوارثوه رواية ودراية، خلفاً عن سلف، وطبقةً بعد طبقة، وفرَّق سبحانه بحكمته هِمَمَهم على فنون العلم ومجالاته، لتتحقق الكفايةُ بمجموعهم والإحاطةُ بمقاصده وآلاته؛ فمنهم المفسر العليم بتأويل القرآن، كالطبري والقرطبي، ومنهم الحافظ للسنة البصيرُ بعلل أخبارها وأحوال رجالها، كالبخاري والدارقطني، ومنهم الفقيه الأَحوَذِيّ في استنباط الأحكام وتخريج الفروع، كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد ومالك، ومنهم النحوي واللغوي العالم بلسان العرب ولغاتها، كالخليل وأبي عبيدة وسيبويه، ومنهم الجامع للقراءات القرآنية المعتني بضبط رواياتها وطرقها، كابن مجاهد والداني وابن الجزري، ومنهم المؤرخ العالم بالسير والمغازي والحوادث والأيام، كابن سعد وابن كثير وابن خلدون. ومنهم الجامع الموسوعي، كابن عبد البر وابن حزم وابن تيمية وابن حجر العسقلاني.
ولم يزل في الأمة، على ما دهاها من الوهن وتضعضُعِ الأحوال، بقيةٌ صالحة يخلُفون من تقدمهم في الاعتناء بهذا العلم الشريف والاشتغال بروايته وحمله، ثم بتبليغه وبثه بين المسلمين.
وهم – بعد الله سبحانه وتعالى- معاقد آمالها في تدارك أحوالها بالتلافي والإصلاح، العارفون بعللها وأدويتها، المنافحون عن حقوقها، الغيورون على حرماتها، المدركون لحقيقة التحديات والأخطار التي تحدق بها.

وإذا كان الأمر كذلك، فمن الأهمية بمكان أن يتوفر بين ظهراني الأمة من وعاة العلم الربانيين، ما يكفي لتفقيهها في دينها، وتحصينها من الجهل المفضي إلى الضلال، والتباس الحق بالباطل، وتضييع حقوق الله، وانتشار المعاصي.

إن الغفلة عن تناقص أهل العلم الأكفياء، خطيئة لا كفارة لها إلا تنميةُ الشعور العام بين أبناء الأمة، بالحاجة الملحة والمستمرة إليهم، ثم تحويلُ هذا الشعور إلى هَم عملي عام، يتجلى في العناية بالتعليم الشرعي، وتشجيع طلابه، والنهوض بمؤسساته، والتعاون في رعايتها، حتى تنهضَ بهذه الفريضة الكفائية العظيمة في تخريج العلماء الربانيين.
ومن علامة ربانية العالم، أن يكون أثبتَ الناس على الحق، مثبتاً لهم عليه بأقواله ومواقفه، إذا ادلهمت بهم الخطوب واشتدت عليهم التحديات، فاستخفت الضعفاءَ منهم حتى افتتنوا بالباطل وارتابوا بالحق وتبلبلت عندهم المفاهيم.
ولا يكون العالم ربانياً، حتى يكون على الحال التي كان عليها علماء السلف، من الخشية لله، والتجرد من حب الدنيا والتشبث بحطامها، لا تأسره مغريات المطامع:
ولم أقضِ حقَّ العلم إن كان كلّما ..... بدا طمعٌ صيرتُه ليَ سُلَّمـــا
أأشقى به غرساً وأجنيه ذِلــةً ..... إذاً فاتباع الجهلِ قد كان أحزما
ولا يكون ربانياً خليقاً بما جاء عن الله ورسوله في فضل العلماء، حتى يكونَ العلمُ الصحيحُ حاكماً على أقواله وأفعاله، وقائدَه ورائدَه في آرائه ومواقفه، مستناً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، مُؤثِراً لها على ما خالفها مما استحسنه الناس لجهل أو هوى، منقِّباً عن هدي السلف في فهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والعمل على ضوء ذلك الفهم، فإنما يحصل شرَفُ علم الشريعة، من جهة اتصاله بالعصر الذي شهد الوحي لأهله بالخير والفضل؛ فإنه ليس نتاج العقول بل هو وراثة المنقول، وما لم يكن يومئذ ديناً فلن يكون اليوم ديناً، كما قال إمام دار الهجرة.

إن الأمة حين تضعف صلتها بمعينها الصافي، من كتاب ربها وسنة نبيها وهدي سلفها الصالح، تتقاسمها الأهواء والطرائق، وإذ ذاك فلا تقوى على إقامة دينها على الوجه الذي ارتضاه الله لها، ولا على النهوض بأداء رسالتها في العالم.
والعلماء الربانيون هم معقد رجائها في تجديد هذه الصلة، كلما داخلَها الدَّخَن، وتعزيزها في أجيالها، كلما عَرَاها الوَهَن.
فربانية العالم تقتضي منه أن يكون حارساً أميناً على دين الله، أن يُداخله ما ليس منه، في الاعتقادات أو العبادات أو المعاملات، من المُبتدعات التي تنشأ في أحوال الضعف وأزمنة الغفلة، ثم تَستحكِم حتى تُلْصَقَ بالدين وتُلْبَسَ لَبُوسَه.
وبسببها تنشأ المشارب والمذاهب في الأمة الواحدة، فينفرطَ عِقدُ جماعتها، ويضعفَ الولاء بين أبنائها، وتتراخى رابطة الدين وما تقتضيه من حقوق التناصح والتعاون على البر والتقوى، وحلِّ المشكلات والتصدي للتحديات.

ولا جرمَ أن حقوق المسلمين بعضِهم على بعض، متأكدةٌ بين العلماء، لِمَا أوكلَ الله إليهم من الأمانة على دينه، وأخَذَ عليهم من ميثاق بيانهِ وعدمِ كتمانِه؛ وذلك يستدعي منهم أن يكونوا قدوةً صالحة لغيرهم من الناس، ولا سيما في تعظيم حرمات بعضهم على بعض، وحسن الصلة بينهم، وإن اختلفوا في الاجتهاديات، فإن الاختلاف فيها قد تقتضيه أسباب ومبررات لا مندوحة عنها، وليس هو هدفاً لذاته، فالأمة أمةُ جماعةٍ ووئامٍ، لا أمةُ خلافٍ وخصامٍ.
ورحم اللهُ ابنَ قُدامةَ؛ صاحبَ المغني في شرح الخرقي، إذ كان يحمد الله إثر ذكر بعض المسائل المجمع عليها؛ استرواحاً منه للإجماع وكراهيةً للخلاف.

وأما الخلاف الذي منشأه اتباع الأهواء، والتعصب للآراء والجماعات، والخروج عن المنهاج الصحيح الذي عليه عامة المسلمين، فهو الذي استفاضت الأخبار والآثار بذمه والتحذير من أصحابه، فالتسامح فيه تسامح في غير محله، وإنكاره لا يعد تضييقاً على الأمة ولا حجْراً على الآراء، بل هو انتصار للحق الذي تتمسك به، والذي هو نياط وحدتها وجماعتها.
وما دامت الأصول التي يَصْدُر عنها العلماء، مجمعاً عليها بينهم، فاختلافهم وإن كان سائغاً فإنه يبقى حالة استثنائية، لا ينبغي التوسع فيه ولا الإشادة به، حرصاً على جماعة المسلمين وألفتهم التي هي من أعظم أسباب رحمة الله بهم، ونصرته لهم، وتوفيقه إياهم لمراشد أمورهم. وإذا كان الأمر كذلك، فإن من لوذعية العلماء وألمعيتهم، الحذرَ من استغلال اختلافهم لأي غرض كان، ومن أي جهة كانت.

ولعل من أهم ما يعزز التفاهم والتعاون بين العلماء، تقوية الصلة بينهم، وتنمية الشعور بحاجة بعضهم إلى بعض، في التناصح ومذاكرة العلم والتشاور في النوازل، والتعاون على فهم قضايا الأمة وحل مشكلاتها، لا سيما في ظل تطور وسائل الاتصال في سرعتها وتعددها وتنوعها.
وقد كان من سلَفَ من العلماء يتزاورون إذا جمعت بينهم البلدان، ويتراسلون ويتكاتبون إذا باعدت بينهم شُّقة الأوطان.
وبهذا السبب كانت رواية الحافظ أبي عمر ابن عبد البر الأندلسي، عن علماء المشرق، بطريق الإجازات والمكاتبات، إذ لم تتيسر له الرحلة إليهم.

أيها الإخوة:
إن من مؤيدات حفظ دين الله، وإقبال الناس على التمسك به، أن يُحسن العلماء نشره وتعليمه، مبرزين محاسنه، وما اشتمل عليه من التيسير والرحمة.
فإن الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، كما ثبت في الصحيح.
وثبت فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما إلى اليمن، أوصاهما فقال: ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وًيسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا.
وبيان يسر الدين من غير تفريط بشيء منه، ينعكس في واقع المسلمين بمظاهر من الوسطية والاعتدال لدى العمل به، تحصنهم من مزالق التطرف ومسالك العنف والإرهاب، وترسخ بينهم ثقافة الحوار والأساليب السلمية، في التعامل مع أي خلاف أو نزاع، وبذلك يقطعون الطريق على أعداء المسلمين الذين يتربصون بهم أي بادرة نزاع، ليؤججوها ثم يستغلوها لتحقيق مآربهم.

وفي الختام يسعدني باسم الرابطة أن أشكر للمسؤولين في الجمهورية اليمنية، على ما يتيحون من آفاق التعاون مع الرابطة، وأخص بالشكر وزارة الأوقاف اليمنية ومعالي الوزير الفاضل الأخ القاضي حمود الهتار، والشكر للمسؤولين عن ملتقى تريم الثقافي، وخاصة الأخوين الكريمين عبد الله بقشان وعمر بامحسون على جهودهما وما بذلاه من تعاون في عقد هذه الندوة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تاريخ النشر:  19/09/2011 - 11:30

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق، العدد 034
دورية دعوة الحق، العدد 219