العربية   Français  English

 
الإسلام والغرب: جدلية الاتصال والانفصال
 
حوار: مرزوق العمري
مع: د.عبدالرزاق قسوم. و: د. حسن عزوزي
جدلية الاتصال والانفصال بين الإسلام والغرب، أحد أهم مضامين الخطاب الفكري المعاصر، ويتفاوت النظر إلى الموضوع ما بين الدعوة إلى الحوار الحضاري أساساً للعلاقة ، وبين حفز مشاعر المواجهة والمقاومة. نعرض بين يدي القارىء وجهتي نظر من خلال ما تفضل بها اثنان من المشتغلين بالفكر الإسلامي، أحدهما: الدكتور عبدالرزاق قسوم أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الجزائر، والثاني: الدكتور حسن عزوزي رئيس تحرير مجلة كلية الشريعة بفاس في المملكة المغربية.
تشخيص المشكل:
 
د.حسن عزوزي:
لا ينكر المتابع وجود إشكالية في العلاقة بين الإسلام والغرب، هناك غياب واضح للثقة بين الجانبين، هو سبب العقبات أمام كل محاولات الحوار الحضاري. ولاشك أن كثرة المبادرات للحوار مؤشر على سوء الفهم، وعلى وجود التوتر بين الطرفين.
هنالك صور نمطية اتخذها الغرب حيال الإسلام، من أنه استبدادي وخرافي ويشيع في اتباعه روح الكراهية إلى غير ذلك.
وفي المقابل تبرز صورة أخرى ترمي إلى نفس ما رمت إليه الصورة الأولى: تأكيد غياب الثقة وعدم التفاهم، فالغربيون من جهتهم ليسوا في الجهاز الشعوري الإسلامي أهلا للمودة الحقيقية أو الثقة المطلوبة، فالغرب تحكمه عقدة الاستعلاء والغرور وإرادة الهيمنة والاستغلال واستهداف تعزيز سيطرة الإنسان على الكون. إن الغرب في أعيننا يتمثل في نزعة العداء المبيت المنظم والتآمر على مشاريعنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا نتصور الغرب إلا في مسوح المادية الصارخة وفي العلمانية المعادية للدين وفي الليبرالية وفي الفساد الاجتماعي والأخلاقي.
 
د.عبدالرزاق قسوم:
إن العلاقة بين الطرفين تقوم على أساس من الاقصاء وانعدام الندية، وهذا دفع إلى ما يشبه العداء، فالغرب ينتقص دائماً من المسلمين بصفات الإرهاب والتخلف والأصولية وغيرها من النعوت. وانبثق في الغرب ما أصبح يعرف بـ( الاسلاموفوبيا) بمعنى الخوف من الإسلام، وتمادى بعض الغربيين في استهداف هوية الأمة واحتلال أرضها والتدخل في شؤونها.
وقد دفع هذا السلوك العدواني بأقلية ناشزة من المسلمين إلى إسقاط غصن الزيتون وإعلان الحرب السافرة على الغرب.
ويقضي سلوك الغرب على كل بوادر الدعوة إلى التواصل والحوار، لأنه جاء إلى بلادنا بقذائفه ومقنبلاته وحاملات طائراته، وهو الذي يدعم بشكل مباشر الاحتلال الإسرائيلي ويمده بالسلاح والمال.
 
 
هل تجدي الدعوة إلى الحوار مع الغرب?
 
يبدو الواقع صعباً جداً من خلال هذا التشخيص، وربما دل هذا على أن ما يريده الغرب من المسلمين ليس سوى الإذعان، وقد يحار المتعاملون مع الغرب في الأسلوب الأمثل للتعاطي معه، فهل يجدي الحوار وإقامة تواصل أم أن إحداث القطيعة هو الأسلوب المتاح?
 
د. حسن عزوزي:
على الرغم من الصورة القاتمة، فإنه ينبغي القول بوجود مؤشرات إيجابية في التواصل بين الحضارتين وهذا الواقع يخفف من حدته تلك الجهود المحمودة التي لا يدخر أصحابها وسعاً في أن يبينوا لغيرهم أن في كل تلك الصور النمطية التي يتم تكريسها هنا أو هناك، مبالغات سلبية لا مسوغ لها ومواقف مشحونة يجب التخلص منها بهدف رؤية الجوانب المضيئة التي تبعث على التفهم والتواصل وراء أحقاد وسلبيات الماضي وكراهيات الحاضر وهواجس المستقبل. إنه ينبغي لكل طرف أن يمارس شيئاً من المرونة لتجاوز المواقف المتشددة والقناعات التي لا تسمح بالانفتاح على الغير والتواصل معه، وذلك من أجل الدخول في حوار حضاري حقيقي يجعل كل طرف مستعداً لأن يعرف ما عند الآخر بعيداً عن الكليشيهات الجاهزة والأحكام المسبقة والصور النمطية المختلفة.
صحيح أن سياسة الكيل بمكيالين قد تحكمت بقوة في توجيه العلاقات بين العالم الإسلامي والعالم الغربي خلال التاريخ الوسيط والحديث، وما زلنا نلاحظ آثاراً ملموسة لهذه السياسة العنصرية في أيامنا هذه. لكن هل نستخلص من ذلك أننا أمام نوع من الحتمية الضرورية التي لا سبيل للتخلص منها? إننا نخطىء إذا اعتقدنا ذلك، فالتاريخ لا يعيد نفسه إلا بمقدار ما نتخلى عن إرادة صنع تاريخ جديد يتجاوز سلبيات وأحقاد الماضي، لكننا بالمقابل نخطىء أيضاً إذا لم يحاول الطرفان معاً أخذ العبرة من ماضي العلاقات بين الإسلام والغرب.
إن من واجبنا كأتباع حضارة إنسانية منفتحة على الغير أن نعمل على فتح أبواب الأمل والرجاء للالتقاء على نقاط وجوانب مشتركة مع الحضارة الغربية نستطيع من خلالها إقامة علاقات إيجابية مع هذا الغرب في المستقبل. ولاشك أن مثل هذا الهدف لايمكن أن يتحقق إلا إذا أقصي من ساحة الحوار المحاورون (أشخاصاً كانوا أو مؤسسات) المنبهرون والمسارعون في هوى الغرب والجاهلون بالإسلام وكذا الجاهلون بمفاهيم الغرب والجامدون الذين يطيرون وينفرون من الاتصال بالغير، وهذه الشروط تستتبع شروطاً أخرى تتجلى في العلم بالإسلام والعلم بالفكر الغربي وصحة منهج التفكير ورقي أسلوب الحوار وبعده عن الإسفاف والمرونة في المناقشة والصلابة على الثوابت والبداهات وعدم التنازل عن المباديء والمسلمات. فهذه الشروط أملتها بقوة بواعث فشل كثير من لقاءات الحوار الحضاري التي أجريت هنا أو هناك خلال العقود الماضية.
 
 
حوار الحضارات - كما يبدو لي - منهج لنزع الفتيل، وإبداء حسن النية واحترام ما عند الآخر، فهل ينطبق هذا على الغربيين?
 
د. عبدالرزاق قسوم:
لقد بان الصبح لكل ذي عينين، وسقطت أوراق التوت. إن حوار الحضارات هو شعار فارغ من المضمون، لأن الواقع يقضي بما يخالف الشعار. إحتلال أفغانستان والعراق ودعم الغاصبين في فلسطين، كل ذلك لا يبقي للحوار من قاعدة تقوم عليها، وقد طمس بدماء الضحايا وغطى عليها عويل الثكالى والأيتام والمعذبين.
إن تلاحم العمل بين الأفراد والمؤسسات في الغرب مجسداً في وضع المخططات، في مواجهة الإسلام وحضارته سياسياً، وعلمياً، وتكنولوجياً، واقتصادياً.وثقافياً، ليؤكد شمولية الصراع بين الإسلام والغرب، والعودة به إلى أعماق الصراع التاريخي الديني الذي كان من أبطاله القساوسة والمفكرون، والمعلمون، وكل المنشغلين بالعمل الإيديولوجي يدعمهم في ذلك الجندي بسلاحه والسياسي بأطماعه.
ولو أن الأمر اقتصر على أفراد معينين لقلنا إنه طيش أشخاص لا يلزمون المؤسسات بكاملها، فإن الأمر قد بلغ من العداء ذروته، ولن يجدي فيه التصدي، مقال يكتب هنا، أو محاضرة تلقى هناك من الجانب الإسلامي.
إن المؤسسات الإسلامية على اختلاف مواقعها مدعوة - اليوم - أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تحديد أولوياتها العملية، والاضطلاع بالدور الحضاري القيادي الموكول إليها، هذا الدور الذي ينبغي أن يقوم على المنهجية العلمية التكنولوجية في وضع الاستراتيجية المضادة، والبديلة، وأن يتسم المستشرفون على مؤسساتنا بالشجاعة الظرفية الضرورية، وتغليب المصلحة المشتركة العليا، على كل الحسابات الأخرى مستجيبين في ذلك لأمر الله {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} (الأنفال:60).
ففي عصر العولمة التي كشر فيها منظروها من الغرب عن أنيابهم الحادة، لابتلاع كل ثقافة أو عقيدة، أو تجارة، يمكن أتحاد ثقافة الغرب، أو أيديولوجيته، أو تجارته، خصوصاً إذا صدرت من (معسكر الشر) المعادي لهم، وهو المعسكر الإسلامي.
إن الغرب يرسل إلينا في كل يوم رسائله الصريحة والمشفرة، تحت ستار مكافحة الإرهاب، ومقاومة التطرف، والدفاع عن حقوق الإنسان ليفرض علينا آحادية نظرته الثقافية، والأيديولوجية، والسياسية، والثقافية.. فلئن تجاهلت مؤسساتنا مضامين هذه الرسائل على خطورتها ولئن استخفت بما تحمله هذه الرسائل من فخاخ وألغام، ولئن تقاعسنا، كمفكرين ومثقفين وسياسيين عن أداء دورنا في هذا الصراع الحضاري الدائر اليوم ونحن عصبة قوية بالمال ورجال الأعمال، إنا إذن الخاسرون.
 
 
البحث عن قيم ومنطلقات مشتركة:
 
ولكن.. ألا توجد منطلقات مشتركة وقيم إنسانية تجعل الحوار والتفاهم ممكناً?
 
د. حسن عزوزي:
ويبدو من المنظور الحضاري أن الاحترام المتبادل بين الأطراف المتحاورة هو المنطلق الأول الذي يجب أن يرتكز عليه الحوار، وهذا يفترض وجود قواسم مشتركة تكون إطاراً عاماً وأرضية صلبة للحوار، ولنا في القيم الإسلامية أولاً ثم في المبادىء الإنسانية والقواعد القانونية غناء لجميع الفرقاء المشاركين في الحوار، وهي جميعاً قيم ومباديء تحكم علاقات البشر بعضهم مع بعض وتضع القواعد الثابتة للتعامل فيما بينهم، لقد استعرض الأمير شارلز ولي العهد البريطاني في محاضرة أكسفورد التي ألقاها عام 1993 طائفة من امكانات الوفاق البناء في ظل التعاون بين الإسلام والغرب، وأكد أن الإسلام يمكن أن يعلمنا أسلوباً للعيش في العالم في جو من التفاهم، الأمر الذي تفتقر إليه المسيحية نفسها.
بيد أنه لا قيمة للحديث عن الحوار الحضاري ما لم يكن أحد سياقاته الفكرية رفع مظالم الغرب عن المسلمين في العالم، فالواقع يشهد بأن الإسلام يطارد ويشوه ويصور على أنه عدو خطير وأن حضارته صدامية. فالحوار لايمكن عزله عن الواقع المحيط بكافة أطرافه، فلابد من تهيئة المناخ الملائم وتبديد المشاكل والعراقيل التي تعترض ذلك، ومهما يكن من شىء فإن هناك أكثر من تحد يواجه الطرفين في سبيل تحقيق الوفاق المنشود، وذلك في زمن أمسى مطبوعاً بزوال اليقين واستفحال الخوف من المستقبل.. فاليقين الوحيد السائد الآن - خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 - هو الخوف من المجهول والشك فيما يخبئه لنا الغد القريب، وبالرغم من كل ذلك فإن الجميع مدعوون في مواجهة كل تلك التحديات إلى إيجاد الحلول وإبداع المخارج انطلاقاً من التاريخ والمبادىء الخاصة لكل طرف.
إن ضخامة التحديات تفرض على الجميع مقابلة الحلول ومعارضتها فيما بينها والمقارنة بين التصورات والتوفيق فيما بينها ثم العمل على التحاور في إطار من التسامح والتفاهم والتوافق مع تعزيز فرص الاعتراف بالآخر والاستماع إليه والتسليم بضرورة وفائدة التلاقح بين الأفكار والتجارب.
 
د.عبدالرزاق قسوم:
لعل مما بات يسلم به الجميع عندنا، أن أكبر تحد يواجه الإنسان اليوم، والذي هو أخطر من باقي التحديات الأخرى، إنما هو تحدي العولمة.
فالعولمة تحد شمولي يخفي بين طياته كل أنواع التحديات الأخرى.. فمن حيث التنظير الأيديولوجي، تستمد العولمة أصول نظريتها من المعتقد "اليهودي - النصراني" "Judeo-christienne" والذي هو أساس حضارة الغرب. أما من حيث المعالم السياسية والاقتصادية والثقافية للعولمة، فإن الإيدولوجية الرأسمالية، التي يطبعها طغيان المصلحة الفردية التي تميز الأنا الغربي، وعقدة الاستعلاء الثقافي التي هي خاصية "النحن الحضاري الغربي" ونزعة الحكم والتحكم التي تترجم نفسية المجتمع الغربي، إن هذه الأيديولوجية هي التي تشكل اليوم سلاحا متعدد الجوانب، مسلطاً على ثقافة واقتصاد وسيادة المجتمع الإسلامي الذي يدين بعقيدة التوحيد المناقضة لعقيدة الشرك، والتثليث التي ينتهجها الغرب.
وتبدأ عملية الاستجابة الإسلامية لتحديات العولمة الغربية الأمريكية، بالعودة إلى الذات وتحصينها بمختلف أنواع التحصين العلمي، والتكنولوجي، والعقدي والثقافي للوقوف في وجه هذه التحديات وإمكانية دحرها.
وكما يقول حكيم كليلة ودمنة، في تراثنا القديم: إجابة عن سؤال كيف نتغلب على الأقوياء?
قال: باتحاد أسلحة الضعفاء.
تاريخ النشر: 
27/10/2014 - 09:00

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق