العربية   Français  English

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد : فإن هذا الكتاب تصوير لنموذج إصلاحي كبير قام به الإمام العادل عمر ابن عبد العزيز رحمه الله، فأزال به كياناً سياسياً واجتماعياً قائماً على الظلم والعدوان والطبقية الممقوتة التي كان من أهداف الإسلام القضاء عليها، والتي تكوَّنت بعد وفاة أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه.
لقد أشبه حكام بني أمية حكام دولتي الروم والفرس، حيث قسموا الأمة إلى طائفتين : طائفة ممتازة تأخذ النصيب الأوفر من الهبات والإقطاع والمناصب والجاه، وطائفة أخرى –وهي أكثر الأمة- تعيش على أعطيات أفراد الطائفة الممتازة، أو تبقى في فقرها ودخلها القليل إن لم يتداركها الله تعالى برحمة الأغنياء.
ولقد استغل حكام بني أمية فرصة تفرق الأمة الإسلامية وعدم وجود عصبيات كبيرة تنافس عصبيتهم القوية فحكموا الناس بالقوة، ولم يرجعوا في تقسيم ثروة الأمة الهائلة لا إلى دين ولا إلى عقل سليم، ولقد استطاعوا السيطرة على الناس بملء جيوب ذوي النفوذ ومراكز القوى، حتى أصبحوا لا يفكرون في الثورة عليهم ولا بمجرد نقد سياستهم لأنهم لا يريدون أفضل من الوضع الذي هم فيه، وليذهب أفراد الأمة إلى الدمار والبؤس والشقاء ما داموا هم ومن حولهم يعيشون في ذلك العيش الرغيد.
ولقد امتدت في ذلك العهد المظلم سياط الظلم إلى أجساد بريئة وامتلأت بها السجون لمجرد قيام أصحابها بإنكار شيء من ذلك الظلم المطبق، ولقد أُزهقت نفوس كثيرة أصرَّ أصحابها على قول الحق والدفاع عنه، خصوصاً في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي حاكم العراق والمشرق، الذي قال عنه عمر بن عبد العزيز : لو تخابثَتْ الأمم فجاءت كل أمة بأخبثها لجاءت هذه الأمة بالحجاج بن يوسف.
ولقد تكوَّن في ذلك العهد العرف الاجتماعي على غير قواعد الإسلام، حيث أصبح من المسلم به لدى طوائف من المسلمين وجود الطبقية في المجتمع، حيث تأتي في الدرجة العليا طبقة بني أمية، وهذه الطبقة لها من الإجلال والتقدير والمهابة ما ليس لأحد سواء في ذلك كبارهم وصغارهم، وهذه الطبقة تستهلك –كما سيأتي في بعض الأخبار- جزءاً كبيراً من ميزانية الدولة.
ثم تأتي طبقة الأمراء الذين من أهم مهامهم تثبيت نظام الدولة وإن كان ذلك بإضاعة بعض أحكام الإسلام والعسف والظلم.
ثم يأتي بعد ذلك أفراد الشرطة ورجال الأمن الذين يحكمون الناس بالحديد والنار ليقبلوا بذلك النظام السياسي الجائر، وهؤلاء لا مجال للتحاكم العقلي معهم ولا للحجج والبيانات الصحيحة وإن كانت من كتاب الله تعالى وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، لأنه قد تم اختيارهم من النوع الذي يُنفِّذ ولا يفكر، وإن فكر فإنه في الغالب يرجح جانب إرضاء الحكام على إرضاء الله تعالى.
ثم تأتي بعد ذلك مراكز القوى، وهم أفراد لهم مكانة ووجاهة في أقوامهم، وقد تم احتواؤهم بسياسة الترغيب والترهيب حتى خضعوا للوضع القائم وأخضعوا مَنْ وراءهم.
غرة بيضاء في جبين تاريخ أسود : 
وفي أثناء ذلك الوضع السياسي الظالم والوضع الاجتماعي المظلم، ظهر الإمام العادل عمر بن عبد العزيز، فبدأ ينقض دعائم ذلك التاريخ الأسود بحنكة وروية وحزم وطموح، وإصرار على الوصول إلى المنهج الأعلى، جاعلاً رايته التي يسير تحتها وغايته التي يسعى إليها تطبيق الإسلام كاملاً كما جاء من عند الله تعالى وإن أجلبتْ عليه قُوى الظلم والعدوان بخيلها ورَجِلها، وحرص على أن لا يجني المال إلا من حِلِّه وأن لا يضعه إلا في محله، وأبطل فكرة أن الحكام لا ينجحون إلا إذا كانوا نهابين وهَّابين، وصار يبني مجتمعاً صالحاً في نظراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واستطاع أن يُحجِّم مراكز الطبقية ودعائم الظلم وأن يحجرهم في نطاق ضيق، ولقد اعتدل منهم أصحاب النفوس العالية فارتفع مستواهم الفكري نحو الأفق السامي الذي أراد أن يرفعهم إليه عمر بن عبد العزيز، وانقمع منهم الأنانيون الحاقدون وانطووا على أنفسهم منتظرين زوال الشمس الساطعة وحلول الظلام الحالك ليعيثوا فساداً كما تعودوا، لأنهم لا يعيشون إلا على حساب حرمان الأمة المستضعفة، ولقد حاول بعضهم –كما سيأتي- تهديد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ليغير من سياسته المذكورة، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل أمام قوة عمر وحزمه.
ولقد آلت الحال بهؤلاء النفعيين الأنانيين إلى أن دبَّروا وضع السم لعمر بن عبد العزيز –كما سيأتي- وذلك لإدراكهم بأن النور الساطع الذي أعشى أبصارهم وشل بصائرهم لا ينطفئ إلا بإفناء مصدره والقضاء عليه من أجل أن يمارسوا دور الخفافيش التي لا تعيش إلا في الظلام.
لقد كان الحكام قبل عمر بن عبد العزيز يأخذون ضرائب على من أسلم، ولما أمر عمر بوضع الجزية عن من أسلم تبين ذلك في نقص الموارد المالية فكتب إليه أحد الولاة يشكو إليه من ذلك فأجابه بقوله : فَضَع الجزية عن من أسلم قبح الله رأيك فإن الله لم يبعث محمداً جابياً وإنما بعثه هادياً. ومع نقص الموارد بذلك، ومع توقف الفتوح في عهد عمر لانشغاله بالإصلاح الداخلي –وكانت موارد الفتوح كبيرة- فإن بعض الأغنياء لم يجد من يدفع إليه صدقته ((قد أغنى عمر الناس))، فتلك الموارد الضخمة من عائدات الفتوح والضرائب على من دخل في الإسلام كانت تذهب إلى جيوب النفعيين من أصحاب الطبقة الممتازة، فلما ساوى عمر بن عبد العزيز بين الناس في العطاء أغنى الفقراء عن أخذ الصدقات.
لقد تحققت على يد هذا الحاكم الصالح إنجازات ضخمة من العدل والإصلاح، وإبطال المفاهيم الخاطئة وإبدالها بالمفاهيم الصائبة تحققت هذه الإنجازات الكبيرة التي تشبه خوارق العادات في مدى سنتين وأشهر.. فكيف لو بقى عشر سنوات
تاريخ النشر: 
08/02/2016 - 15:30

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق