العربية   Français  English

البيان الختامي لمؤتمر: «الأسرة المسلمة.. الحقوق والواجبات»
الذي عقدته رابطة العالم الإسلامي بالتعاون مع المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك

سراييفو - البوسنة
2-3 من شعبان 1437هـ
9-10 من مايو 2016م

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

فبعون الله وتوفيقه اختتم مؤتمر "الأسرة المسلمة.. الحقوق والواجبات" الذي عقدته رابطة العالم الإسلامي بالتعاون مع المشيخة الإسلامية في البوسنة، وذلك في اليومين الثاني والثالث من شعبان 1437هـ الموافقين للتاسع والعاشر من مايو 2016م.
وشارك في المؤتمر عدد من العلماء والباحثين والأكاديميين.

وفي افتتاح المؤتمر رحب فضيلة رئيس العلماء حسين أفندي كافازوفتش رئيس المشيخة الاسلامية في البوسنة والهرسك بالمشاركين، وشكر رابطة العالم الإسلامي لتعاونها مع المشيخة على عقد المؤتمر، وما تسهم به من جهود في توعية الأمة بواجباتها نحو دينها وأوطانها وقضاياها، وعبَّر عن أمله في أن يحقق المؤتمر الأهداف التي عُقد من أجلها.
وألقى معالي الأمين العام للرابطة الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي كلمة أكد فيها حرص الرابطة على توعية المسلمين بحقوق الأسرة المسلمة وواجباتها، مبينا مكانة الأسرة المسلمة في الإسلام، والأثر الإيجابي لاستقرارها على الأفراد والمجتمعات.

وخلال جلسات المؤتمر استعرض المشاركون ما أولاه الإسلام للأسرة المسلمة من اهتمام وعناية, وما سنَّه من تشريعات تضمن الحقوق وتُبين الواجبات وترشد إلى ما يعين على تماسك الأسرة وتآزرها, وأكدوا على أهمية نشأة الأسرة المسلمة على المرتكزات الشرعية, وأنها المؤسسة التي تنمو فيها القيم والمبادئ المُكونة لوعي الفرد وتوجهاته وخياراته وقناعاته, وهي كذلك أداة الوصل بين الأجيال السابقة واللاحقة؛ والبيئة النقية التي يستقي منها النشء مبادئ السلوك القويم وأنماط التعامل الخُلقي وقيم التسامح والمحبة والتآلف, واستعرضوا الخلل في الرؤية الغربية المعاصرة للأسرة, المبنية على سلطان المادة وسطوتها؛ البعيدة عن القيم الربانية, إذ أرادوا للأسرة الحرية فيما زعموا فأخرجوها من التماسك بالمودة والرحمة والدفء؛ إلى التفكك والعزلة والضياع, وتتحدث الإحصاءات عن النسب المخيفة للتفكك الأسري وما ترتب عليه من ضياع الأولاد؛ والانحلال القيمي؛ وشيوع الجرائم والفوضى؛ وانتشار الأمراض المزمنة, مما دفع عقلاءهم إلى الاعتبار بما آل إليه وضع الأسرة في مجتمعاتهم, والدعوة إلى ضرورة عودة الأسرة إلى إطار التشريعات الإلهية, والاستفادة من الأنموذج الحضاري المشرق للأسرة عند المسلمين, وما تنعم به الأسرة المسلمة من الطمأنينة والأمن والسلام.

وبحث المشاركون موضوع المؤتمر من خلال المحاور التالية:
- الأسرة في المجتمع المعاصر.
- الحياة الزوجية في المجتمع المسلم.
- العلاقة بين الآباء والأبناء وقضايا الغلو والإرهاب.
- الأسرة والأخلاق والقيم.

أولاً: الأسرة في المجتمع المعاصر:
استعرض المؤتمر ما يشهده العالم المعاصر من تغيرات واسعة في العلاقة بين مكونات الأسرة، حيث فقدت الأسرة في كثير من المجتمعات مفهومها الفطري الطبيعي؛ ووظيفتها في التربية والبناء الاجتماعي، ولم تكن الأسرة المسلمة في بعض المجتمعات المسلمة بمنأى عن هذه التغيرات، وأكد المشاركون على ما يلي:
- الأسرة المسلمة هي الدعامة الأولى التي يقوم عليها بناء المجتمع المسلم، وهي خط الدفاع الأول والحصن المكين لموروث الأمة وعقيدتها ومُثلها العليا.
- أهمية تربية النشء على الأخلاق الإسلامية الفاضلة، امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ...) (متفق عليه)، وأن تحل القيم مكانها الأساس في التكوين الاجتماعي للأمة المسلمة، وترتبط ارتباطا مباشرا بمنظومة الأسرة والبيت والعلاقات السائدة فيها.
- ضرورة تلبية حاجة الأسرة المسلمة في التثقيف الأسري الرشيد، لينشأ الأبناء على الأسس المتلائمة مع القيم والمُثل الإسلامية، ويكونوا مواطنين صالحين في مجتمعاتهم، متمسكين بهويتهم ومعتزين بها، مسهمين في مجتمعاتهم في البناء والتنمية.
- العنف الأسري يفضي إلى تفكُّك الأسرة وتصدُّعها، وينتزع من الأبناء شعورهم بقيمتهم؛ ويضعف ميولهم إلى الخير؛ ويقوي نوازعهم العدوانية.
- الأمُّ هي اللبنة الأولى في بناء الأجيال الناهضة، وهي الركيزة الأهم في انطلاق الأمم على مدارج الحضارة وسبل الرشاد، ودورُها محوري في صلاح الأجيال.

ثانيا: الحياة الزوجية في المجتمع المسلم:
أكد المشاركون على مكانة الحياة الزوجية في الإسلام وأثرها في بناء الأسرة السليمة، وأن الزواج آية من آيات الله، قوامه المودة والرحمة والسكن الذي تدوم معه العشرة، وتزيد الألفة، وتتحقق مقاصد الشريعة، قال الله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) (الروم: 21).
وبحثوا مقومات الحياة الزوجية وسبل استدامتها في ظل التراحم الأسري، والأحكام التي شرعها الله لتنظيمها، وضبط مسارها، ومواجهة ما يعيق صفاءها، وتناولوا حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وأكدوا على أنها الأنموذج الأسمى والمثال الأعلى للحياة الزوجية الكريمة المطمئنة العامرة بالسكينة والوقار ولين الجانب وخفض الجناح.
واستعرضوا تحديات الحياة الزوجية في عصر العولمة وما أفرزه من تعقيدات ومشكلات تتهدد مستقبل الأسرة أهم المؤسسات الإنسانية.

ثالثا: العلاقة بين الآباء والأبناء:
أكد المشاركون على أهمية تعميق العلاقة بين الآباء والأبناء في هذا العصر الذي يموج بالفتن والاضطرابات، وتغمره وسائل التواصل والاتصال من كل ناحية، وأشادوا بما تبذله المشيخة الإسلامية في البوسنة من جهود مشكورة في الاهتمام بقضايا الأسرة المسلمة والعناية بها، وأوصوا بما يلي:
- ترسيخ ثقافة الحب بين الآباء والأبناء، وإشاعة التراحم والتسامح والحوار المتواصل، والاستماع باهتمام إلى تطلعات الأبناء وهمومهم ومشكلاتهم، ومعالجة ذلك بالحكمة والتربية الحسنة.
- تنشئة الابن على تعاليم الدين الصحيحة، وتربية عقولهم وأرواحهم على التلقي الطوعي لإرشادات الدين والامتثال لها؛ مع الاعتقاد الجازم بأنها حق وإن خَفِي وجه الحكمة في بعضها.
- للوالدين دور مركزي في توجيه الأبناء ومتابعة مسيرة نموهم جسما وعقلا وأخلاقا، وعليهما إدراك أن التربية القسرية القائمة على مجرد الأوامر والنواهي لم يَعد لها قبول في نفوس الأبناء، حيث المغريات تحيط بهم من كل جانب، ووسائل التواصل الاجتماعي تقتحمهم في كل مكان، ولا ينفع معهم إلا المصابرة والمثابرة في التربية الحكيمة والترشيد البناء.
- المتابعة الحثيثة للأبناء وتوجهاتهم الفكرية وممارساتهم السلوكية، وتحصينهم من الانزلاق في الغلو والتطرف والطائفية والإرهاب.
- على المؤسسات الإسلامية في الدول الإسلامية عامة؛ وفي دول الأقليات المسلمة خاصة، تكثيف البرامج والمناشط الموجهة للشباب، لصونهم من مُلوثات الأفكار الباطلة؛ والمحافظة على وعيهم؛ وتحريرهم من مُكبلات الشبهات والشهوات؛ وإعمار قلوبهم بالإيمان؛ وإنعاش نفوسهم بروحانية الإحسان.
واستعرض المؤتمر مسؤولية الدول الإسلامية في احتواء الشباب، وأشاد بتجربة المملكة العربية السعودية وقيادتها الحكيمة في محاورة الشباب ومناصحتهم، وحرصها على تعزيز الأمن والسلام في نفوسهم.
واستنكر ما تمارسه الحركات الإرهابية من استقطاب الشباب والتغرير بهم وتضليلهم؛ وزَجهم في ميادين القتال العبثي، ودعا العلماء الراسخين إلى كشف عوارهم الفكري؛ وضحالتهم العلمية؛ واستكبار نفوسهم المضطربة؛ وخطر منهجهم الذي يستمد أسسه ومبادئه من غلاة الخوارج الذين قاتلوا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رابعا: الأسرة والأخلاق والقيم:
أكد المؤتمر على أهمية ما يلي:
- دعوة الدول الكبرى إلى احترام الخصوصية الدينية والثقافية للأسرة المسلمة، ومراعاة ذلك في القوانين والقرارات ذات العلاقة، ومناشدة الهيئات العالمية عامة؛ والعاملة في الحقل الأسري خاصة إلى مراجعة البنود التي تتعلق بالمرأة والأسرة المسلمة، وإلغاء ما يتنافى منها مع التعاليم الدينية والخصوصية الثقافية.
- دعوة الدول الإسلامية إلى مراجعة أنظمة الأحوال الشخصية في دساتيرها، واستبدال ما يتعارض منها مع القرآن الكريم والسنة النبوية، والاستفادة في ذلك من قرارات المجامع الفقهية، ومنها المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي.
- أهمية تكاتف الجهود الرسمية والشعبية في ترشيد المحتوى الإعلامي الموجه للأسرة المسلمة، والتصدي الحازم لكل ما يدعو إلى الانحلال الخلقي وانتشار الرذيلة وإشاعة التبرج والسفور، ودعوة وزارات الإعلام في العالم الإسلامي إلى تشديد الرقابة على ما يخل بالأخلاق ويخدش القيم ويدعو إلى الفحشاء والمنكر.
- تكثيف الجهود الدعوية في تأصيل قيم العفة والحياء في المرأة المسلمة، ودعوتها بالحسنى إلى الاهتمام بالحجاب الشرعي طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
- تنقية المناهج الدراسية مما يتعارض مع أحكام الإسلام في قضايا الأسرة والمرأة.
- دعم الأسرة المسلمة في مجتمعات الأقليات، وخاصة من الناحية التعليمية والتربوية لتنجو من مزالق التطرف والعنف والصدام مع مختلف مكونات المجتمع، وتشارك في تنمية أوطانها بما يحقق التعايش للجميع؛ وتصحيح صورة ديننا الحنيف وصورة أتباعه.
- تكوين لجنة متابعة من المشيخة الاسلامية في البوسة والهرسك والمشيخات الإسلامية في الدول المجاورة لها ورابطة العالم الاسلامي لمتابعة تنفيذ قرارات وتوصيات المؤتمر ووضع الخطط والبرامج التنفيذية التي تتطلب العمل في سبيل تحقيق ما خرج به المؤتمر من نتائج في مختلف المجالات التي تم استعراضها في محاور ومداولات المؤتمر.

وشكر المشاركون خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود؛ ملك المملكة العربية السعودية؛ وسمو ولي العهد؛ الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز آل سعود؛ وسمــو ولي ولي العهـــد؛ الأميـــر محمــد بن سلمـــان بن عبد العزيز آل سعـــود؛ على حرصـــــهم –حفظهم الله- على مصلحة المسلمين، وما يحقق السلام والأمن والاستقرار في المجتمعات الإنسانية.
وأشادوا بما تبذله حكومة المملكة العربية السعودية في خدمة الحرمين الشريفين وتوسعتهما، وخدمة ضيوفهما من الزوار والحجاج والمعتمرين.
وأشادوا بتكوين التحالف الإسلامي العسكري، الذي أعلنت عنه المملكة العربية السعودية في الثالث من ربيع الأول 1437هـ.
وشكروا حكومة البوسنة والهرسك على تقديم التيسيرات لعقد المؤتمر.
وشكروا المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك لتعاونها في تنظيم المؤتمر والإعداد له.
وأشادوا بجهود رابطة العالم الإسلامي في خدمة الإسلام، وعلاج مشكلات المسلمين.
وشكروا العلماء والباحثين وأساتذة الجامعات المشاركين في المؤتمر، لإثرائهم موضوعات المؤتمر ببحوثهم وآرائهم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

صدر في سراييفو
3 شعبان 1437هـ - 10 مايو 2016م

تاريخ النشر: 
11/05/2016 - 10:00

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق