العربية   Français  English

 
الحوار الحضاري والثقافي: أهـدافـه ومجـــالاتــه
 
د. عبد العزيز بن عثمان التويجري
المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إيسيسكو
 
 
مدخل:
جاء ت المبادرة إلى طرح فكرة الحوار بين الحضارات في إطارها الدولي، من العالم الإسلامي، حين تقدم رئيس الدورة الثامنة لمؤتمر القمة الإسلامي، السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الثالثة والخمسين، يوم 21 من سبتمبر 1998 ، باقتراح تسمية عام 2001 عام الحوار بين الحضارات.
وبعد شهرين من توجيه هذا النداء، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 16 من نوفمبر 1998 القرار رقم (22/35/ A/RES) الذي جاء فيه ما يلي:
1 ـ تعرب عن عزمها الوطيد على تيسير الحوار بين الحضارات وتشجيعه.
2 ـ تقرر أن تعلن سنة 2001 (سنة الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات).
وكان الرئيس الإيراني قد وجّه نداءه إلى المجتمع الدولي في كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على النحو التالي :
> أقترح باسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تبادر الأمم المتحدة بخطوة أولى إلى تسمية عام 2001 عام حوار الحضارات، على أمل أن يحقق هذا الحوار الخطوات الضرورية الأولى في سبيل العدل والحرية العالمية. فمن أهمّ مكاسب القرن العشرين الاقتناع بضرورة الحوار، والحؤول دون اللجوء إلى القوة، وتعزيز عملية التنسيق والتفاعل في المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب تعزيز الحرية والعدل وحقوق الإنسان.

ولقد تبلورت الدعوة إلى الحوار بين الحضارات وتطورت حتى أصبحت مسألة دولية. ففي الدورة الخامسة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة، صدر القرار رقم (A/RES/53/23) المؤرخ في 11 يناير 2001، حول (سنة الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات)، جاء فيه مايلي:
إن الجمعية العامة، إذ تؤكد من جديد المقاصد والمبادئ التي يجسدها ميثاق الأمم المتحدة، والتي تدعو، في جملة أمور، إلى بذل جهد جماعي لتعزيز العلاقات الودية بين الأمم، وإزالة التهديدات للسلام، وتعزيز التعاون الدولي في حلّ القضايا الدولية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإنساني، وفي تعزيز وتشجيع الاحترام العالمي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع، وإذ تلاحظ أن الحضارات ليست حكرًا على فرادى الدول القومية، بل تشمل ثقافات مختلفة ضمن الحضارة نفسها، وإذ تؤكد من جديد أن المنجزات الحضارية تشكل التراث الجماعيَّ للجنس البشري، وأن توفر مصدرًا للإلهام والتقدم للبشرية جمعاء، وإذ تضع في اعتبارها خصائص كل حضارة وإعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية المؤرخ في 8 سبتمبر 2000 الذي يعتبر في جملة أمور، أن التسامح يشكل قيمة لازمة للعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، ينبغي أن تشمل التشجيع بشكل نشيط على نشر ثقافة السلام والحوار بين الحضارات، واحترام الإنسان على اختلاف المعتقدات والثقافات واللغات، دون خشية أو كبت للاختلافات بين المجتمعات وداخلها، بل مع الاعتزاز بها باعتبارها ميزة قيّمة للبشرية، وإذ تلاحظ أن العولمة تؤدي إلى مزيد من الترابط بين الشعوب والتفاعل بين الثقافات والحضارات، وإذ يشجعها أن الاحتفال بسنة الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات في بداية القرن الحادي والعشرين سيوفر الفرصة للتركيز على أن العولمة لا تنحصر في كونها عملية اقتصادية ومالية وتكنولوجية يمكن أن تجلب مكاسب عظيمة فحسب، بل هي تشكل أيضًا، تحديًا عميقًا للبشرية يدعونا إلى تقبّل تكافل الجنس البشري وتنوّعه الثقافي الغني، وإذ تسلم بتنوّع المنجزات الحضارية للجنس البشري التي تبلور التعددية الثقافية والتنوّع البشري الخلاق، وإذ تؤكد على ضرورة الإقرار بغنى جميع الحضارات واحترامها، والبحث عن القواسم المشتركة بين الحضارات وداخلها لمواجهة التهديدات التي يتعرض لها السلام العالمي والتحديات المشتركة للقيم والمنجزات البشرية، مع مراعاة أمور منعها التعاون والشراكات والإدماج، ترحب باجتماع المائدة المستديرة المعني بالحوار بين الحضارات الذي شاركت فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، وعقد على مستوى رؤساء الدول، في 5 سبتمبر 2000 ، في مقر الأمم المتحدة، مما أسهم في زيادة تعزيز الحوار بين الحضارات، تدعو الحكومات ومنظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، وغيرها من المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية ذات الصلة، إلى مواصلة وزيادة تكثيف تخطيط وتنظيم البرامج الثقافية والتعليمية والاجتماعية الملائمة لترويج مفهوم الحوار بين الحضارات بوسائل من بينها تنظيم المؤتمرات والحلقات الدراسية والمواد الأكاديمية عن الموضوع.
 
وتعزيزًا لهذا القرار الدولي، صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والخمسين، القرار(A/56/L.3) بتاريخ 24 سبتمبر 2001 ، حول برنامج عالمي للحوار بين الحضارات، الذي لا يكاد يختلف في بعض الفقرات من ديباجته، عن القرار الآنف الذكر، ولكنه يسطر برنامجًا عالميًا للحوار بين الحضارات، ويضع الأهداف والمبادئ. وقد جاء في المادة الأولى من هذا القرار : أن الحوار بين الحضارات عملية تجري بين الحضارات وداخل الحضارة الواحدة، وتقوم على الإدماج، وعلى الرغبة الجماعية في التعّلم وكشف المسلمات ودراساتها وتوضيح المعاني المشتركة والقيم الأساسية، وتكامل وجهات النظر المتعددة من خلال الحوار.
وجاء في المادة الخامسة من هذا القرار أيضًا . المشاركة في الحوار بين الحضارات ستكون عالمية النطاق ومفتوحة أمام الجميع، بمن فيهم شعوب جميع الحضارات، والباحثون والمفكرون والكتاب والعلماء ورجال الفن والثقافة وممثلو وسائط الإعلام والشباب، ممن يؤدون دورًا فعالا في بدء الحوار بين الحضارات واستمراره، والأفراد من المجتمع المدني وممثلو المنظمات غير الحكومية، بصفتهم شركاء فعالين في تشجيع الحوار بين الحضارات.
ولابد أن نلاحظ في هذا السياق، أن البرنامج العالمي للحوار بين الحضارات قد أعلن رسميًا يوم 24 من سبتمبر 2001 ، بعد تسعة شهور من صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتسمية سنة 2001 ، (سنة الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات) وفي أجواء عالمية مشجعة. غير أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية، قد وقعت قبل ثلاثة عشر يومًا من انطلاق العمل على الصعيد الدولي ببرنامج طموح واسع المدى فسيح المجالات، للحوار بين الحضارات. وكأن هذه الأحداث التي هزَّت العالم، قد وقعت للحيلولة دون تنفيذ هذا البرنامج. ولكن إدارة المجتمع الدولي كانت أقوى من هذه التحديات. ولقد كان حضور العالم الإسلامي في الوسط الدولي ومشاركته في تنفيذ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة متميزاً ومؤثراً، فقد وضعت منظمة المؤتمر الإسلامي برنامج العمل التنفيذي للحوار بين الحضارات، في شهر سبتمبر 2001 . ووضعت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة من جهتها، برنامجًا تنفيذيًا خاصًا بالعالم الإسلامي حول الحوار بين الحضارات، وذلك عملا بالقرار الصادر عن المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية الذي كلف المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بتنظيم مجموعة من الأنشطة في هذا الإطار، تعبيرًا عن مشاركة العالم الإسلامي في سنة الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات. وفي هذا الإطار أشرف الباحث بصفته مديرًا عامًا للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، على عقد سلسلة من الندوات الدولية في العديد من العواصم العربية الإسلامية والغربية، تناولت بالدرس والبحث والمناقشة القضايا المتصلة بالحوار بين الحضارات، شارك فيها صفوة من المفكرين والباحثين والإعلاميين من العالم الإسلامي ومن بعض الدول الغربية وصدرت عنها بيانات وإعلانات تضمنت مجموعة مهمة من التوصيات، نشرت ضمن (الكتاب الأبيض حول الحوار بين الحضارات) الذي أصدرناه . بالتعاون مع الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ( 1).
ولقد كان من النتائج المهمة التي خرجنا بها من هذه الندوات والمؤتمرات الدولية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، أن مفهوم الحوار قد تبلور بعمق وبوضوح منهجي، وترسخ الاقتناع بالحوار نهجًا للتواصل وأسلوبًا للتعايش، وأصبح قضية فكرية وثقافية وإعلامية تستأثر باهتمام صانعي القرار والنخب من مختلف الاتجاهات. 
 
 
دلالة الحوار ومفهومه :
 
يكتسب الحوار في تراثنا الثقافي والحضاري معًنى يدلّ على قيم ومبادئ هي جزءٌ أساسٌ في الثقافة والحضارة الإسلاميتين. فمن حيث الدلالة اللغوية، نجد أن جذر (ح. و. ر) مثقلٌ بالمعاني التي تؤكد على مفاهيم أصيلة في تراثنا الثقافي والحضاري، ففي لسان العرب، الحوار هو الرجوع، وهُم يتحاورون، أي يتراجعون الكلامَ، والتحاور هو التجاوب والمجاوبة، والحَوْرُ هو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، والمحاورة مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة. بل إنه ليدهشنا حقًا أن يكون من أسماء العقل في اللغة العربية، الأَحْوَر (2).
ويعرف معجم ويبستر Webster الانجليزي الحوار ـ Dialogue ـ بأنه تبادل الأفكار والآراء (3). بينما يعرفه قاموس ماكميلان (Macmillan) الانجليزي، بأنه شخصين أو مجموعة من الأشخاص من أجل حل مشكل أو خلاف(4). ويعرفه لاروس (Larousse) الفرنسي بأنه التكلم مع الآخر حول موضوع معين أو التفاوض معه(5).
ومفهومُ الحوار في الفكر السياسي والثقافي المعاصر، من المفاهيم الجديدة حديثة العهد بالتداول. ولعلَّ مما يدلّ على جدة هذا المفهوم وحداثته، أن جميع المواثيق والعهود الدولية التي صدرت في الخمسين سنة الأخيرة، بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة، تخلو من الإشارة إلى لفظ الحوار، بينما تعتمد معانيَ إنسانية أخرى، مثل التسامح، والتعاون، والتعايش، وإنماء العلاقات الودية بين الأمم، وتحقيق التعاون الدولي، والدفع بالرقيّ الاجتماعي قدمًا، والرفع من مستوى الحياة في جوٍّ من الحرية أفسح، تعزيزًا للعمل الجماعي المشترك لما فيه الخيرُ للإنسانية (6).
فليس الحوار من ألفاظ القانون الدولي، فهو لا يوجد له ذكرٌ أصلا في ميثاق الأمم المتحدة، ولا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا في إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي. وعلى هذا الأساس، فإن الحوار بهذا المعنى هو مفهومٌ سياسيٌّ إيديولوجيّ ثقافيّ حضاريّ، وليس مفهومًا قانونيًا.
ولقد اقترن ظهورُ مصطلح الحوار في دلالته الجديدة، بتزايد حدّة ما كان يُعرف بالحرب الباردة بين المعسكرين السابقين بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفياتي السابق، وتَزَامَنَ هذا الظهور للفظ الحوار، مع تصاعد ضراوة الصراع الإيديولوجي والسياسي بين القوتين العظميين ؛ فكان الحوار الذي طرح الغرب فكرته، مقابل التعايش الذي رفع المعسكر الشيوعي شعاره وتبنَّى فلسفته ؛ فالغرب ينادي بالحوار بين الأديان، ثم بالحوار بين الثقافات والحضارات، والشرق الذي كان فيما مضى يتمثل في الاتحاد السوفياتي، يدعو إلى التعايش السلمي، والتعايش بين الأمم والشعوب. ولكلِّ دعوةٍ غايتها، وفي كلتا الحالتين فإن الكاسب هو صاحب الدعوة والمنادي بها والمدافع عنها. 
ويلاحظ في هذا السياق، أن الحوار الذي كان الغرب هو السابق إلى الدعوة إليه، بهذا المفهوم، وبهذه الدلالة، استند في أول الأمر، على الهدف الديني، حيث وقع التركيز على الحوار الإسلامي المسيحي، وكانت الكنيسة الغربية، هي التي وجَّهت الدعوة إلى هذا الحوار، وذلك في أعقاب نشوء أزمةٍ حضاريةٍ جديدة في العالم العربي الإسلامي نتيجة تصادم بين الإرادتين ؛ الإرادة العربية الإسلامية، والإرادة الغربية، وبلوغ حدّة الصراع بين الجانبين مبلغًا قدَّر الجانبُ الغربيُّ أنه بات يهدّد مصالحه، فكانت الدعوة إلى الحوار، في المجال الديني، في صيغة "الحوار الإسلامي المسيحي"، ثم في المجال السياسي، في صيغة "الحوار الأوروبي العربي"، في مرحلة أولى أعقبتها مرحلة ثانية نشطت فيها الدعوُة إلى "حوار الشمال والجنوب".
وكان الغرب، في كل الأحوال، وفي جميع الظروف، هو صاحب المبادرة إلى هذا الحوار في أشكاله المتعددة وبِصِيَغِه المتنوعة، سعيًا منه إلى أهداف رسمها وإلى غايات حدَّدها، يكتنفها جميعًا، قدرٌ من الغموض الذي لم تنفع وسيلة في إخفائه، لأننا هنا بإزاء دعوة صادرة من جهة تملك شروط القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي والقدرة على صنع الحدث والتحكم في مساره. ومن هنا وجب التعامل مع الحوار في هذا الإطار، بقدرٍ كبيرٍ من الفطنة والتنبّه.
 
 
دلالة الحوار وفلسفته:
 
للحوار في لغتنا وتراثنا معانٍ رفيعة القدر سامية الدرجة، تكسوها مسحٌة حضاريٌة راقية، فتكسبها دلالة عميقة تعبّر عن روح الأمة.
ويؤكد هذا ما ورد في القرآن الكريم، ففي سورة الكهف تكرر فعل (يحاوره) مرتين، في الآيتين 34 و 37 ، يقول تعالى : {وكان له ثَمَرٌ فقال لصاحبه وهو يُحَاوِرُهُ أنا أكثرُ منك ما ً لا وأعزُّ نَفَرًا} الآية 34 {قال له صاحبُه وهو يُحَاوِرُهُ أَكَفرت بالذي َ خَلَقكَ من تراب ثم من نطفة ثم سَوَّاك رجلاً} الآية 37. وورد في سورة المجادلة لفظ التحاور، في قوله تعالى {قد سمع اللَّه قولَ التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اللَّه، واللَّه يسمع َتحَاوُرَكما إن اللَّه سميع بصير } الآية 1. والتحاور عند الطبري المراجعة في الكلام، وهو المعنى الفصيح الصحيح الذي نجد له أصلا في كتب اللغة. وإن كان ابن كثير يذهب في تفسيره لسورة الكهف إلى أن معنى (يحاوره) يجادله ويخاصمه ويفتخر عليه. ولا يوجد لهذا المعنى في اللسان أصلٌ .
فالأصل في الحوار في الثقافة العربية الإسلامية، هو المراجعة في الكلام، وهو التجاوب، بما يقتضي ذلك من رحابة الصدر، وسماحة النفس، ورجاحة العقل، وبما يتطلبه من ثقة ويقين وثبات، وبما يرمز إليه من القدرة على التكيّف، والتجاوب، والتفاعل، والتعامل المتحضّر الراقي مع الأفكار والآراء جميعًا. وبهذا المعنى يتأكد لدينا، بما لا يرقى إليه الشك، أن الحوار أصلٌ من الأصول الثابتة للحضارة العربية الإسلامية، ينبع من رسالة الإسلام وهديه، ومن طبيعة ثقافته وجوهر حضارته. واقترانُ الحوار بالعقل، يؤكد أيضًا على معنى سامٍ في سياق تحديد مدلول اللفظ ؛ ذلك أن الحوار العاقل، هو الذي يقوم على أساس راسخ، ويعتمد وسيلة سليمة، ويهدف إلى غاية نبيلة. وارتباط الحوار بمعنى الرجوع من الشيء وإلى الشيء، يثبّت في الضمير الإنساني فضيلة الاعتراف بالخطأ، ويركز على قيمة عظمى من قيم الحياة الإنسانية، وهي القبول بمبدأ المراجعة، بالمفهوم الحضاري الواسع الذي يتجاوز الرجوعَ عن الخطأ، إلى مراجعة الموقف برمته، إذا اقتضت لوازمُ الحقيقة وشروطها هذه المراجعة، واستدعى الأمر إعادَة النظر في المسألة المطروحة للحوار على أي نحوٍ من الأنحاء، وصولا إلى جلاء الحق. فالحوار قيمة من قيم الحضارة الإسلامية، المستندة أساسًا إلى مبادئ الدين الحنيف وتعاليمه السمحاء، وهو موقف فكري وحالة وجدانية، وهو تعبير عن أبرز سمات الشخصية الإسلامية السّوية، وهي سمة التسامح، لا بمعنى التخاذل والضعف بوازع من الهزيمة النفسية، ولكن بمعنى الترّفع عن الصغائر، والتسامي على الضغائن، والتجافي عن الهوى والباطل.
وفي ظل هذا المفهوم، فإن فلسفة الحوار في الحضارة الإسلامية، تقوم على قواعد ثلاث :
 
القاعدة الأولى :
إخلاص النية والانطلاق من قاعدة إيمانية وثقة بالنفس وتجرّد عن الهوى، وتغليب المصلحة العامة التي تخدم الإنسانية وتجلب الخبر لبني البشر كافة. يقول تعالى في محكم التنزيل : (ولكلّ وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات) )8(، ويقول الرسول صلى الله عليه و سلم Xإنما الأعمال بالنيات وإّنما لكل امرئٍ ما نوىZ(9).
فإخلاص النية والثقة بالنفس والتجرّد عن الهوى والغرض الزائل، يُؤدّي إلى الثبات في مواقف الحق، وإلى عدم الركون إلى الباطل أو الانهزام أمام سطوته، ويُقوّي في النفس إرادَة البقاء الحرّ الكريم، فالمؤمن دائمًا عزيز النفس قويُّ الجانب، حرّ الإرادة، كريم الذات ؛ لا يقبل الهوان والانكسار والذلة والصغار، لا في دينه، ولا في نفسه.
 
القاعدة الثانية :
التأدّب بأخلاق الإسلام، والتأسي بسيرة النبي صلى الله عليه و سلم، وسِيرة صحابته الكرام، في الحوار، ومخاطبة الناس، من منطلق الإيمان بوحدة النوع الإنساني أولا، قال صلى اللَّه عليه وسلم : Xكلكم لآدم وآدم من ترابZ، والمجادلة بالتي هي أحسن ثانيًا، يقول تعالى : ( ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) (10)، {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاَّ بالتي هي أحسن} (11).
 
القاعدة الثالثة :
نشدان الحق والبحث عنه، والسعي إلى الحقيقة والتماسها، والقصد إلى ما فيه الصالحُ العام من شتى الطرق التي ليس فيها انحراف عن محجة الشرع، وبمختلف الوسائل التي تحّقق مصالح العباد والبلاد.
وعلى الرغم من الطبيعة المتشعبة للحوار، فإنه ليس دعوة، ولا مناظرة، ولا مجادلة، ولكنه صيغة جامعة، وأسلوب من أساليب التقارب والتجاوب والتفاعل. ولذلك فإن من شروط الحوار الجادّ الهادف أن يتصف بالحكمة. والحكمة هي جماع العلم والمعرفة، من عناصرها الفطنة وحسنُ الفهم، وعمق الوعي وسعة الإدراك، والرشد، والتنبّه، والقصد والاعتدال. يقول تعالى في سورة البقرة : {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا}12) ). وإذا كانت الحكمة هنا قرينة الدعوة، فإنها من شروط الحوار أيضًا.
وكما ترتبط الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فكذلك الحوار قرين الحكمة والموعظة الحسنة في جميع الأحوال. وهذا الارتباط هو من قبيل ارتباط المنهج والمضمون بالوسيلة والأسلوب ؛ فالحوار هو المضمون، والحكمة هي المنهج، بينما الوسيلة والأسلوب هي الموعظة الحسنة، وليست أية موعظة، على أي نحوٍ من الأنحاء، ولا بأية طريقة من الطرق، ولكنها موعظة حسنة. وفي السياق القرآني، تتبع الدعوَة إلى اللَّه بالحكمة والموعظة الحسنة، المجادلة بالتي هي أحسن، يقول تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} وينطبق هذا على الحوار انطباقًا كاملًا. وإذا كانت المجادلة، وهي مقارعة الحجة بالحجة، تأتي في المرتبة الثانية من مراتب الدعوة إلى اللَّه، وكما أن الدعوة لاتتم على الوجه الشرعي، إلا إذا كانت صادرة عن الحكمة، ومقترنة بها، كذلك الحوار لا يكون إلا بالتي هي أحسن، أي أحسن الوسائل وأقوم الأساليب، وأصح الطرق. وهذه هي مبادئ الحوار، وأسسه، وشروطه.
أما مقوّمات المحاور، فهي فرعٌ عن هذه المبادئ، وتأسيسٌ على تلك القواعد. فالمحاور لابد أن يكون حكيمًا فطنًا، عالمًا بالعصر، فقيهًا في قضاياه ومشكلاته، قويًا مستقيمًا، عارفًا بالدنيا، مدركًا لرسالته، متفتح العقل، ذكي الفؤاد، واسع الأفق، محيطًا بمعارف شتى، على قدر كبير من الثقافة والخبرة والتخصّص. 
وبهذا المعنى، فإن الحوار قوة وسلاح من أسلحة السجال الثقافي والمعركة الحضارية، وهو وسيلة ناجعة من وسائل الدفاع عن المصالح العليا للأمة، وشرح قضاياها، وإبراز اهتماماتها، وتبليغ رسالتها، وإسماع صوتها، وإظهار حقيقتها، وكسب الأنصار لها، وجلب المنافع إليها، ودرء المفاسد عنها. 
وإذا كان الحوار أصلا ثابتًا في الحضارة الإسلامية، فإنه من مبادئ الشرع الحنيف، استنادًا إلى قوله تعالى : {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلاَّ اللَّه ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون اللَّه} (13). فهذه الآية في عمقها وجوهرها، وفي مغزاها ومعناها، دعوة إلى الحوار الراقي الهادف.
 
 
أهداف الحوار :
 
أهداف الحوار، هي كل ما يحقق الخير والصلاح والأمن والسلام والرخاء والطمأنينة للناس كافة. وفي اللفظ القرآني "التعارف" من قوله تعالى في سورة الحجرات، ما يُغني ويفيد ويقوي ويز ّ كي هذه المعاني جميعًا، قال تعالى : {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا} .(14)فالتعارف هنا يتسع ليشمل التعاون والتعايش، وكلَّ ضروب العمل الإنساني المشترك، لما فيه الخير والمنفعة لبني البشر. وهو هدف سامٍ من أهداف الحوار.
وينبغي أن تبدأ أهداف أي حوارٍ من الإنسان وتدور حول شؤونه وقضاياه، وتعود إليه، لئلا يفقد الحوار قيمته وأهميته ومضمونه الغني. وهذه الأهداف من الكثرة بحيث يتعّذر حصرها، ولكن يمكن إجمالها فيما اتفق المجتمع الدولي اليوم على اعتبارها أهدافًا إنسانية سامية. وما دام الحوار حركة فكرية وعملية ثقافية وشكلاً من أشكال التعاون الإنساني، فيمكن لنا اتخاذ ما ورد في إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي من أهداف، مثالاً لها. فقد نصَّ هذا الإعلان على الأهداف التالية (15):
1 ـ نشر المعارف وحفز المواهب وإغناء الثقافات،
2 ـ تنمية العلاقات السلمية والصداقة بين الشعوب والوصول إلى جعل كل منها أفضل فهمًا لطرائق حياة الشعوب الأخرى.
3 ـ تمكين كل إنسان من اكتساب المعرفة والمشاركة في التقدم العلمي الذي يحرز في جميع أنحاء العالم والانتفاع بثماره، والإسهام من جانبه في إثراء الحياة الثقافية.
4 ـ تحسين ظروف الحياة الروحية والوجود المادي للإنسان في جميع أرجاء العالم.
وكما هو شأن التعاون الثقافي الدولي، فإن على الحوار بوجه عام، أن يكون من أهدافه أيضًا، إبراز الأفكار والقيم التي من شأنها توفير مناخ صداقةٍ وسلامٍ، واستبعاد جميع مظاهر العداء في المواقف وفي التعبير عن الآراء، على أن يتوخى الحوار أيضًا، النفع المتبادل لجميع الأمم التي تمارسه (16)، ويسعى في جهد مشترك مع الأطراف جميعًا، للقيام بعملية حضارية كبرى، هي تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تسود المجتمعات وتعوق مسيرة التعاون والتقارب والتفاهم والحوار.
وهكذا يفتح الحوار المجال واسعًا أمام تفاهم المجتمعات، ويؤدي إلى تقارب الثقافات، ويساهم في تلاقح الحضارات، وهو ما نصطلح عليه هنا بالتفاعل الحضاري الذي يجب أن يدعم التعاون الدولي على مواجهة تحديات العصر ومشاكله والسعي لحّلها (17).
ويقول الرئيس محمد خاتمي : Xإن من أهم مبادئ التعاون الدولي، من منظور حركة عدم الانحياز على سبيل المثال، الدعوة إلى الديمقراطية العالمية والمساواة في الحقوق وإلغاء المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية؛ فكل بني الإنسان يمتلكون حقًا متساويًا في الاستفادة من النعم الإلهية بما فيها حق تقرير المصير، إذ لا يمكن للتفوق العسكري أو التقني والاقتصادي أن يقدم حقوق بعض البلدان على الشعوب الأخرى. ويمكننا من خلال التمسك بهذه المبادئ، أن نفتتح طريق الحوار من أجل سلام حقيقي في عالم المستقبل، وأن نعثر على سبل مجدية لتطبيق ذلك. ومن الجدير بالذكر أن أبطال ميدان الحوار هذا هم المفكرون والعقلاء من مختلف القوميات والشعوب. وفي وسع حركة عدم الانحياز وهي مستقبل الألفية الثالثة، أن تتولى تنظيم . ( لونين من الحوار، أحدهما حوار بين دول الجنوب ذاتها، والآخر حوار بين الجنوب والشمال(18).؟ويقول أيضاً : Xلابد أن يكون الحوار الأول شاملا يستوعب مجالات السياسة والاقتصاد والعلوم والشأن الاجتماعي، وأن يحذر بشدة من النظرة الأُحادية المبتسرة ضيقة الأفق. كما لابد لحوار الشمال والجنوب أن يقوم على الرؤية الحديثة التي أفرزتها المتغيرات الدولية، أي التعددية والمساواة واحترام الشعوب ورفض ألوان الوصاية. كي نحقق خطوة على طريق تفاهم أكثر وسلام وعدالة حقيقيين شاملين، من خلال حوار الحضارات والثقافاتZ (19).
ويترتَّب على ذلك أن يسير الحوار بين الحضارات والثقافات في اتجاهين رئيسَيْن إثنين :
أولهما : إزالة الأسباب والعوامل والمشكلات التي تعوق التعاون بين الأمم والشعوب من أجل ما فيه الخير والمنفعة والمصلحة لها جميعًا، وذلك من خلال معالجة القضايا المعقدة والمسائل الشائكة التي تتسبَّب في زعزعة استقرار المجتمعات الحديثة، وتؤدّي إلى اتساع الهوة بين الشمال والجنوب على المستويات كافة.
على أن يتم ذلك كلُّه في إطار القانون الدولي، بما يعني الاستثمار الجيّد للعلاقات الثنائية أو الإقليمية أو الدولية التي تجعل من مجموعة من الدول أسرة إنسانية تربط بينها مصالح مشتركة.
ثانيهما : تصحيح الصور النمطية التقليدية المتداولة في الساحة الدولية عن الأمم والشعوب، وعن الحضارات والثقافات، وعن الأديان السماوية. وذلك من منطلقٍ رئيسٍ، وهو أن الحوار، يتم بين الأفراد والجماعات، وليس بين المعتقدات الدينية، لأن القصد الذي يتجه إليه الحوار هو تبادل المنافع والمصالح بين الناس، لا التأثير في العقائد التي يؤمنون بها، أو في الثقافات التي ينتمون إليها، على أساس من القواعد العقلية.
 
وتأسيسًا على ذلك، فلا يجوز النظر إلى الحوار بين الحضارات باعتباره مجرد حوار أصم لتدارس منجزات الحضارات القديمة وإسهاماتها، وإنما هو استكشاف التاريخ الحضاري لبناء آفاق تعاون متعددة المجالات في الحاضر والمستقبل حتى تسود العالم الحرية والعدل، إلاَّ أن الاستكشاف يفرض جملة من التساؤلات المعقدة مثل، ماهية القيم التي تجعل التفاعل الحضاري متكافئًا بين حضارة العلم والتكنولوجيا الغربية، والحضارات الأخرى التقليدية غير الغربية، وإلى أي مدى تعدّ القيم المتضمنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جزءًا من حضارة عالمية، فمثل هذه التساؤلات تعكس إشكاليات ما بعد الحداثة التي تتميز بتعقد الظواهر، والقبول بالثغرات القائمة في أنماط التفاعلات بين الحضارات وبعضها.
إن المهمة العاجلة للتفاعل الحضاري هي أن نشارك بصورة جماعية في إيجاد مجتمع عالمي جديد يراعي الخصوصيات وطبيعة الثقافات وأنماط التقاليد لكل المجتمعات، فالعمليات السياسية والأحداث في عالم اليوم لها بعد كوني دولي متزايد، فما يحدث في جزء من العالم يؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الأحداث في مجتمعات بعيدة، فالمعلوماتية نشرت وعيًا كونيًا شاملا بالأحداث والمشكلات الدولية، ويظلّ التساؤل عن ضمانات صياغة الوعي الكوني بشكل يتيح لكل الحضارات أن تسهم في صياغة الرأي العام العالمي، ولذا فإنّ الحصاد الحقيقي للتفاعل الحضاري هو الشروع في بناء نظام قيمي عالمي يراعي التنوع بين الثقافات واحترام هوية كل منها.
ويعدّ التنوع الثقافي أسلوب حياة للبشر، وهذا التنوع وراء تعدّد المجتمعات البشرية، التي تتمتع كل منها بذاتية معينة، وقد أدى تعدد الثقافات المتنوعة إلى تحقيق التفاعل بين الشعوب من خلال التبادل الثقافي، مما أدى إلى انطلاق قدرات خلاقة(20). 
ولاشكّ أن تأكيد احترام التنوع الثقافي سوف يحدّ من أخطار وحدة المعايير التي تقوم عليها المعلومات، ويحول دون إحداث التطابق الفكري الذي يقتل الإبداع ويقود إلى عولمة اللاهوية، وعولمة العزلة، فإذا نظرنا إلى فوائد التنوع الثقافي، فسنجد أنها تكمن في إحياء التضامن والتفاهم المشترك بين الشعوب على الاحتياجات العالمية، ومن خلال احترام التنوع الثقافي يحدث الانسجام داخل المجتمعات متعددة الثقافات وإيجاد إحساس لدى الشعوب بكونها تعيش داخل مجتمعات مدنية تتأصل فيها القيم التي يمكن أن تتقاسمها غيرها من الشعوب في المجتمعات المختلفة وأن تتقاسمها كذلك جميع العناصر الاثنية داخل المجتمع الوطني، مما يحول دون قيام الصراعات(21).
إننا نعيش في عالم القيم الثقافية المضافة التي يكفلها احترام تنوع الثقافات. ولذلك فإن الهدف الرئيسَ للحوار الذي نقيمه مع هذا الطرف أو ذاك، يجب أن يصبّ في المصالح العليا للأسرة البشرية في حاضرها ومستقبلها.
 
 
مجالات الحوار :
 
إنَّ الحوار في حدّ ذاته مطلبٌ حيويٌّ وضرورة قصوى. والحوار لايكون إلاَّ مع الأطراف، التي تجمعها الرغبة المشتركة في إجراء حوار تهدف من ورائه إلى تحقيق أهداف معلومةٍ متفق عليها. ولايكون الحوار حوارًا إذا هو افتقر إلى هذه الشروط، وسيصبح ضربًا من العبث، أو في أحسن الأحوال، إملاءً للرأي وفرضاً له من طرفٍ على طرفٍ آخر، إن لم تتوفر له هذه العناصر. وفي هذه الحالة يكون الحوار، فاقدًا للشرعية، مفرغًا من أية دلالة أو مضمون، اللَّهم إلا معنى الهيمنة والغطرسة وفرض الأمر الواقع. وحوار المسلمين مع غيرهم من شعوب العالم، ينبغي أن ينطلق من هذه الأسس القوية، ويكتسب هذه المعاني الواضحة، ويّتجه نحو هذه الغايات المرسومة.
 
وتتعدّد مجالات الحوار وتتنوّع، غير أن أهمها المجالات التالية :
أولاً : المجال الثقافي والحضاري، والحوار فيه يهدف إلى التعارف وتصحيح المفاهيم الخاطئة والصور المشوهة، كما يهدف إلى التفاهم على الجوامع المشتركة بين الثقافات والحضارات، وإلى التلاقح الثقافي والحضاري الذي ينتج الإبداع والتجديد.
ثانياً : المجال الديني، والحوار فيه يهدف إلى تعزيز القيم الدينية ونشر الفضائل ومكارم الأخلاق وتقوية الإيمان بالمبادئ القويمة التي جاءت بها الأديان السماوية، والتعاون على توعية الناس بأخطار الانحراف الفكري والسلوكي والتطرّف والغلوّ والجريمة بكل أنواعها.
ثالثًا : المجال الاقتصادي، والحوار فيه يهدف إلى تطوير العلاقات التجارية بين الدول في إطار القوانين الدولية، وبما يحّقق المصالح المشتركة فيما بينها، بعيدًا عن أي نوع من الاستغلال، ودعم جهود التنمية الشاملة والمتكاملة خصوصًا في الدول النامية، ومنع الاحتكار والاستغلال واستنزاف الموارد الطبيعية والمواد الأولية للدول الفقيرة، وإقامة أُسس جديدة للتجارة الدولية لضمان العدل والإنصاف.
رابعًا : المجال السياسي،والحوار فيه يهدف إلى احترام قواعد القانون الدولي والالتزام بالشرعية الدولية، وإقامة العلاقات الثنائية بين الدول على أساس الالتزام والاحترام المتبادلين، والعمل من أجل استتباب الأمن والسلام في ربوع العالم، ومحاربة الإرهاب، ودعم ح ّ ق الشعوب في الدفاع عن سيادتها وتحرير أراضيها.
 
ونحن نرى أن لهذا الحوار حدودًا يتعيّن رسمها بدقة، والاتفاق عليها عن اقتناع، وهذه الحدود أو الضوابط، هي في الوقت نفسه، الإطار الأوسع للحوار الذي يرسم الخريطة النظرية لمجالاته، وهي :
أولاً : أن يكون الحوار متكافئًا، تتوّفر له شرو ُ ط المساواة والندّية والإرادة المشتركة، وأن تتعدّد مستوياته وتتفاوت درجاته، بحيث يكون حوارًا شام ً لا، يدور مع مختلف الفئات والشرائح، على المستوى الحكومي، وعلى صعيد المؤسسات الأهلية ذات العلاقة بالقضايا والمجالات التي ُتحَدَّدُ لهذا الحوار. وهذا الشرط ينسحب على جميع مجالات الحوار.
ثانيًا : أن يتناول الحوار مختلف القضايا التي تهمّ المجتمع الدولي، لا يُستثنى منها إلاَّ القضايا التي تدخل ضمن اختصاصات السيادة لكل دولة، بحيث يتَّسع مجال الحوار ويتعمّ ُ ق مجراه، فيشمل كلَّ موضوع ذي صلة بالحياة السياسية والثقافية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتِّقانية، فلا يكون مقتصرًا على القضايا المعرفية الصرف. وهو الأمر الذي يؤكد اتساع مساحة الحوار ليشمل المجالات جميعًا.
ثالثًا : أن يهدف الحوار إلى تحقيق منافع مشتركة للطرفين، وأن يؤدي إلى تأمين المصالح التي يحرصان عليها، والتي لها صلٌ ة بالتقدّم في مجالات الحياة سياسيًا و ثقافيًا وعلميًا واقتصاديًا واجتماعيًا، بحيث يكون لهذا الجوار تأثيرٌ على مجمل العلاقات بين المسلمين والغرب، ويعود بالنَّفع والفائدة على الجميع.
رابعًا : أن يكون الحوار متحضرًا، ومترفعًا عن الموضوعات التي هي مثار اختلافات دائمة لا سبيل إلى إزالتها إلاَّ بتنازل طرفٍ للطرف الآخر عن أحد ثوابته العقدية، بحيث يقع تجنّبُ المسائل ذات الحساسية الفائقة التي من شأنها إذا ما أُثيرت في الحوار، أن تؤدي إلى إيقافه، أو إلى التأثير على إيجابياته.
خامسًا : أن يسير الحوار في خطوط متوازية ووفق برامجَ مُعدَّة مسبقًا، فلا يتوقف الحوار في هذا الاتجاه حول موضوع معيّن، ريثما تظهر النتائج المترتبة على الحوار السائر في الاتجاه الثاني، وإنما َتَترَابط حلقات الحوار وتتداخل الاتجاهات فيما بينها، وصولا إلى التكامل بين الأهداف المتوخاة.
 
كما نرى أن التخطيط للحوار هو أول شروط النجاح في تحقيق الأهداف الإنسانية التي تتشعب بحيث يتعّذر إدراجها ضمن مجالات محدّدة، لأن الحوار ذو آفاق واسعة، والحياة هي مجاُله الحيويّ. ولذلك لا مناص هنا من َتدَخل الهيئات والمنظمات المسؤولة التي تنهض بمهام العمل الثقافي والفكري العربي الإسلامي في قنواته الرسمية والأهلية، حتى تستطيع التح ّ كم في الاتجاهات العامة للحوار، وتحويلها إلى المسارات التي ُتْفضِي إلى بلوغ الأهداف المرسومة. ويقتضي هذا التخطيط تنسيقًا في جهود العاملين في هذا المجال، من جهة، وتحديدًا للجهات الغربية التي تقبل الدخول في حوار معها، من جهة ثانية.
وينبغي أن يكون واضحًا بالقدر الكافي، أن الحوار مع الجهات الأكاديمية والثقافية حول القضايا ذات الثقل المعرفي الكبير، سيبقى دائمًا هو المدخلَ الرئيسَ إلى الحوار العام حول الموضوعات ذات الطبيعة الشمولية التي تشمل مجالات عديدة. وليس بالضرورة أن تنصرف الجهود إلى الحوار ذي الطابع الديني، وإن كان الحوارُ الدينيُّ أساسًا من أسس التعايش والتفاهم اللذين يمهدان للتعاون في شتى المجالات( 22 ). بشرط أن يكون الهدف الذي يرمي إليه الحوار في هذا المجال، هو الاتفاق على التعاون في تعزيز القيم المشتركة، ومحاربة الرذيلة والإنحراف وال ّ شذوذ، ورفض ال ّ ظلم والعدوان على الكرامة الإنسانية وعلى سيادة الدول،. ونشر الفضائل ومكارم الأخلاق، والعمل المشترك من أجل تجنّب الإنسانية المخاطر والأزمات التي تتهدّدها والمسلمون هم حَمََلة مشاعل الحوار، لأنهم مؤمنون برسالة دينية خالدة إلى الإنسانية جمعاء وشهداء على الناس، مصداقًا لقوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا}. (23). 
 
 
هوامش : 
1) صدرت طبعتان من (الكتاب الأبيض حول الحوار بين الحضارات)، باللغات الثلاث، العربية، والإنجليزية، والفرنسية، ضمن إصدارات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، في عام 2002 ، وفي عام 2003 ، ويشتمل على الوثائق والقرارات الدولية والإسلامية، والبيانات والإعلانات الخاصة بهذا الموضوع. وقد قدم الكتاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
2) لسان العرب ، ابن منظور، مجلد 1، ص 751 . طبعة دار الجبل دار لسان العرب، بيروت 1988 ، وفي (الهادي إلى لغة العرب) لحسن الكرمي (مجلد 1، ص 55 ) حاور محاورًة وحوارًا الرجلُ صاحبَهُ جَاوَبَهُ ورَاجَعَهُ في الكلام، أي ردَّ أحدهما على الآخر وتراجعا الكلام، وفي المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية في القاهرة (مجلد 1) حاوره محاورة وحوارًا، جاوبه وجادله.
(3) Webster ( Ninth New Collegiate Dictionary, Massachusetts, USA, 1991. (4)Macmillan English Dictionary For advanced learners, Education Oxford, 2002. (5)Larousse de la langue française, Librairie LAROUSSE, Paris, 1977. 6) ميثاق الأمم المتحدة، الديباجة.
7) مختصر تفسير ابن كثير، اختصار وتحقيق محمد علي الصّابوني، مجلد 1، ص 419 ، دار القرآن الكريم ، بيروت، الطبعة السابعة، 1981.
8) سورة البقرة، الآية 148 .
9) رواه البخاري ومسلم. 
10 ) سورة النحل، الآية 125 .
11 ) سورة العنكبوت، الآية 46 .
12 ) سورة البقرة، الآية 269 .
13 ) سورة آل عمران، الآية 64 .
14 ) سورة الحجرات، الآية 13 .
15 ) إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي، الصادر عن المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، في نوفمبر 1996 ، المادة الرابعة.
16 ) المصدر نفسه، المادتان : 8ـ ـ7 . 
17 ) الحوار من أجل التعايش، د. عبد العزيز بن عثمان التويجري، ص : دار الشروق، القاهرة. )؟18 ) حوار الحضارات، الرئيس الإيراني السيد محمد خاتمي، ص : 36 ، ترجمة سرمد الطائي، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى 2002 م.
19 ) المصدر نفسه، ص : 36 .
20 ) د. أحمد فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب (البرلمان) المصري، دور الجامعات في التطوير وفي حوار الحضارات، جريدة (الأهرام ) القاهرية، 19 أكتوبر 2004 م.
21 ) المصدر نفسه. 
22 ) الحوار من أجل التعايش، ص : 73 .
23 ) سورة البقرة، الآية : 143 .
تاريخ النشر: 
27/10/2014 - 09:30


مواقع التواصل الاجتماعي

 

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد الدراسات في الشأن الإسلامي

دراسات في الشأن الإسلامي العدد الرابع
دراسات في الشأن الإسلامي العدد الثالث
دراسات في الشأن الإسلامي العدد الثاني