العربية   Français  English

الحمد لله العلي الكبير، السميع البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 
وبعد:
فقد سبق نشر الكتاب الأول من كتب التاريخ الإسلامي، وموضوعه "السيرة النبوية.. مواقف وعبر"، وهذا هو الكتاب الثاني: "الخلفاء الراشدون.. مواقف وعبر".
 
وقد تم التركيز فيه على المواقف العالية التي جرت من المسلمين، سواء في ذلك الأمراء والقادة والأفراد، وعلى العبر المستوحاة من الوقائع التاريخية.
 
والموضوعات التي سأقدمها للقراء الكرام في هذا الكتاب إنما هي قبسات من أمجاد سلفنا الصالح، وومضات من تاريخهم الزاهر في مجال الدعوة والجهاد ومكارم الأخلاق.
 
هذا وقد اخترت هذه الموضوعات بعدما طوفت في عدد من كتب التاريخ والتراجم، وجمعت الكثير من مآثر السلف ومناقبهم واطلعت على واقعهم الذهبي في تطبيق الإسلام الكامل في عهد الخلفاء الراشدين، وما نتج عن ذلك من مظاهر الحياة الكاملة التي تتسم بالقوة من غير عنف وباللين من غير ضعف، وبالعزة على الكافرين وبالذلة والتواضع للمؤمنين وبالعدل في الحكم حتى مع الكافرين، وباعتبار الكفاءة بقوة الإيمان والعمل الصالح والخبرة، وباستبعاد المؤهلات التي تتنافى مع الإسلام كالأنساب والأوطان والمجد الدنيوي.
 
وآمل أن أكون في تقديم هذا الجهد المتواضع قد أسهمت في أداء بعض ما لسلفنا الصالح من حق على أحفادهم الذي ورثوا عنهم هذا المجد العريض والعز المنيع، وفي تذكير أبناء الأمة الإسلامية بما بلغته هذه الأمة في ماضيها من قوة ورُقيّ أخلاقي.
 
وإذا كانت الأمم الغربية تفتخر بقوتها المادية وتقدمها الصناعي فإن لنا ماضياً مجيداً بلغت فبه الأمة الإسلامية من الرقي الأخلاقي والمادي ما لم تبلغه أمة من الأمم.
 
وإننا حينما نحيي مآثرنا ونردد مفاخر ماضينا فليس ذلك لمجرد استجلاب النشوة بتذكر أيام عزنا ومجدنا، وليس ذلك لمجرد الاستعلاء على الآخرين، أو تعزية النفوس عن النقص الحاضر بترديد مفاخر الكمال في الماضي، وإنما ليكون ذلك دافعاً إلى انبعاث الحياة في النفوس لتعود هذه المة إلى رقيها الأخلاقي الكامل، ولتأخذ بأسباب التقدم المادي المناسب لعصرها حتى تكون كسلفها الصالح أقوى وأكبر أمة في هذه المعمورة.
 
وما يشتمل عليه هذا العصر من المواقف الأخلاقية والعلمية والسلوكية والتربوية مما ليس له علاقة مباشرة بهذا التاريخ فإنني قد أفردت له كتباً خاصة.
 
لقد برز في هذا العهد نوعان من الجهاد: أحدهما الجهاد الدفاعي، وذلك في جهاد المرتدين والمتمردين على دولة الإسلام، وقد تم في أول سنة من هذا العهد القضاء على جميع تجمعات هؤلاء المرتدين والمتمردين، حتى عادت السيادة للدولة الإسلامية في جزيرة العرب كما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل في هذا النوع جهاد الخوارج الذي تم في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والنوع الآخر الجهاد الهجومي الدعوي، حيث قام المسلمون بجهاد دولتي الفرس والروم لإفساح الطريق أمام دعوة الإسلام لتصل إلى الشعوب المغلوبة على أمرها، ولتكون كلمة الله هي العليا، والسيادة في ارض لدولة الإسلام.
 
لقد كان هذا العهد عهد الفتوح الإسلامية الكبرى، حيث تم فيه القضاء على دلوة الفرس التي كانت دولة العالم العظمى في المشرق، ودخلت جميع ممالكها في دولة الإسلام، كما تم فتح عدد من الأقاليم التي تكونت منها دولة الروم التي كانت دولة العالم العظمى في المغرب، وذلك بالاستيلاء على بلاد الشام ومصر وبعض بلاد المغرب وضمها إلى الدولة الإسلامية.
 
ومن أبرز ما يلاحظ في ذلك الفتح الواسع أن المسلمين الفاتحين قد واجهوا حضارتين عريقتين هما الحضارة الفارسية والرومية، ومع ذلك فإن حضارة المسلمين العظيمة قد استوعبت تلك الحضارتين، وتم على يد هؤلاء الفاتحين صهر تلك الحضارتين وتمحيصهما، وذلك بقبول ما يوافق حضارة الإسلام وصبغه بالصبغة الإسلامية ورفض ما يخالفها.
 
ولو أننا قارنا بما تم بعد ذلك في أواخر عهد العباسيين من هجوم التتار الوحشي على بلاد المسلمين لوجدنا الفرق واضحاً بين الفتح الإسلامي الذي كان فتحاً للقلوب قبل البلاد، حيث تم على إثره دخول آلاف من الكفار في الإسلام، وذوبان حضارة تلك الدول المفتوحة بحضارة المسلمين، بينما لم يتم شيء من ذلك على يد التتار، بل بضد ذلك دخلت أمة التتار في الإسلام وتحضرت بحضارة المسلمين.
تاريخ النشر: 
09/02/2016 - 14:30


مواقع التواصل الاجتماعي

 

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق