العربية   Français  English

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن والاه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقـد تابعـت الأمانـة العامـة لرابطـة العالـم الإسلامـي أحداث التفجير الإرهابية التي نفذتها في الرياض مساء يوم الإثنين 11/3/1424هـ عصابة إرهابية، دفعها الانحراف والجهل بحقيقة الإسلام إلى ارتكاب جرائم قتل للناس، وترويع للآمنين، وهدم للمباني السكنية، وخروج على النظام، وطاعة ولي الأمر، وذلك من خلال عمليات انتحارية، استخدم فيها المنتحرون سيارات مفخخة، بقصد قتل أكبر عدد ممكن من الناس الآمنين، من سكان المباني التي استهدفوها.
وإذ تستنكر الرابطة والشعوب والمنظمات الإسلامية هذه الجريمة أشد الاستنكار، فإنها تعلن براءة الإسلام والمسلمين من هذا العمل الإرهابي الممقوت، الذي راح ضحيته عشرات من الناس بين مسلمين وغيرهم، قتلوا غيلة وغدراً وعلى حين غرة، بينما قتل المنتحرون أنفسهم، وارتكبوا بذلك جريمة مزدوجة حيث إنهم منتحرون وقتلة.
إن رابطة العالم الإسلامي التي تلقت استنكار ممثلي الشعوب الإسلامية، وقادة المنظمات والمراكز والجمعيات الإسلامية، واستغرابهم لهذه الحوادث الإجرامية، واستهجانهم لها، فإنها ترى أن من الواجب بيان ما يلي: أولاً:
تؤكد الرابطة أن الإرهاب دخيل على المجتمعات الإسلامية، وهو عمل غريب ومقحم على المجتمع الآمن المسالم في المملكة العربية السعودية، وغريب على شعبها المحب للخير والبر والمرحمة، وهو عمل مقيت عند أهلها الذين عاشوا ماضياً وحاضراً مع ولاة أمر حريصين على العمل بدين الله، وتطبيق شرعه، والدعوة إليه، وعلماء ثقات، عرفوا بالاستقامة ومحاربـة الغلـو والبغي وأنواع العدوان.
ثانياً:
لقد قتل في الحوادث المذكورة عدد من المسلمين عمداً، وهو أمر محرم في الشريعة الإسلاميــة حرمة قطعية، تـوجب غضب الله سبحانه وتعالى ولعنته وعظيم عذابه يوم القيامة : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) (النساء:93).
ثالثاً:
تم في الحوادث المذكورة قتل جماعة من السكان من غير المسلمين، وهم من المستأمنين الذين لا يجوز قتلهم : ( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) (الاسراء:33)، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة ).رواه البخاري وأحمد وابن ماجه.
رابعاً:
لقد روع المجرمون الآمنين بحوادث التفجير تحت أجنحة الليل المظلم، حيث أحدثوا بسياراتهم المفخخة بالمتفجرات الهائلة، رعبـاً وهلعاً بين الناس، وهذا ليس من الإسلام:( لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً ) رواه أبو داود.
خامساً:
لقد أقدم منفذو هذه الجرائم على قتل أنفسهم عمداً، إذ فجروا أنفسهم، فألقوا بأيديهم إلـى التهلكة التي حرم الله : ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (البقرة:195) ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ) (النساء:29-30) وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلــى الله عليه وسلم قال : " من قتل نفسه بشئ عذب به في نار جهنم " متفق عليه. وفي حديث آخر : " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً... الحديث " متفق عليه.
سادساً:
إن وقائع الجريمة التي برزت في الحوادث المذكورة، وما اجتمع لها من عناصر هي من المحرمات القطعية في دين الله، ومما يدخل في الإفساد في الأرض، حيث تضمنت القتل والترويع والأذى وهدم المنشآت والخروج على طاعة ولي الأمر، وقد شرع الله سبحانه وتعالى الجزاء الرادع لهذا العمل وعده محاربة لله ورسوله : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (المائدة:33).
سابعاً:
إن أنواع القتل والترويع والأذى وإرعاب الناس، ليس من الجهاد في شيء، وإنما هو من جرائم الإرهاب المحرم، الذي يتضمن إزهاق الأرواح وإراقة دماء الناس الآمنة، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، وتأكيداً لحرمة إراقة الدماء، وإزهاق الأرواح البشرية قال الله سبحانه وتعالى: ( أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) (المائدة:32).

إن رابطة العالم الإسلامي تعد ما حدث في مدينة الرياض من الأعمال التي لا يقرها الإسلام ولا يتصف بها المسلمون، وهي تحذر جميع الفئات التي استهوت الأعمال الإرهابية من جهلة المسلمين ومنحرفيهم من الحساب الإلهي يوم القيامة، كما تحذر المسلمين من الانخداع بما يعرضه الإرهابيون القتلة من شعارات زائفة ليبرروا بغيهم وفسادهم في الأرض، فقد شنع الإسلام على هؤلاء أذاهم وفسادهم : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ)) (البقرة:204).
إن الجريمة النكراء التي حدثت في الرياض قد يتكرر حدوثها في أي بلد إسلامي أو غير إسلامي، فالإرهاب لا وطن له، وهو لا ينتسب إلى دين ولا جنسية، لكن مشاركة بعض المنتسبين إلى الإسلام فيه، قد سبب إساءة بالغة إلى الإسلام وإلى الأمة المسلمة، حيث اتخذ أصحاب الحملات على الإسلام من أعمال هؤلاء ذريعة لاتهام الإسلام، والتطاول على صاحب الرسالة الخاتمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وسب المسلمين واتهامهم بما ليس فيهم، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن سب آلهة غير المسلمين سداً لذريعة الاستفزاز: ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (الأنعام:108). وهذه الآية عند العلماء عمدة في تقرير أصل سد الذرائع.
وبعد...فإن رابطة العالم الإسلامي تدعو علماء الأمة وحكماءها وكل مخلص فيها إلى التعاون في سبيل مكافحة آفة الإرهاب الدخيلة على المجتمعات الإسلامية.
وتؤكد الرابطة على الأهمية البالغة للتوجيه الإسلامي الصحيح في معاهد التعليم ومدارسه، وتدعو إلى بذل المزيد من الجهود في تيسير التعليم الديني في مدارس المسلمين وفق المنهاج الوسطي الذي اختاره الله سبحانه وتعالى للأمة : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (البقرة:143).وفي هذا المنهاج مبادئ الاعتدال والتوازن والتراحم الذي ينبغي أن يستقيم أمر المسلمين عليها.
وتهيب الرابطة بمؤسسات الإعلام والثقافة في المجتمعات الإسلامية أن تتعاون في معالجة أنواع الغلو والتطرف، وفي محاربة الإرهاب، وتدعوها إلى التعاون مع العلماء الثقات في معالجة هذه الآفة الخطيرة.
وإن الرابطة لتؤكد أن المملكة العربية السعودية بلد الإسلام الأول، والدولة التي تطبق شرع الله، وتحتكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، لن ينال منها ومن أمنها واستقرارها هذا العمل الأرعن، الذي يصب في خانة أعداء الله وأعداء المسلمين، وإن كل المسلمين في مختلف بقاع الدنيا ينظرون إلى المملكة العربية السعودية نظرة متميزة، لمكانتها الدينية، ويستنكرون أي عمل يسيء إليها وإلى أمنها واستقرارها، وإنهم على ثقة بأن الجهات الأمنية ستصل إلى الأيدي المجرمة ومن وراءها، وأنها ستتعامل مع هذا البلاء بحزم، وأن شعب المملكة المسلم، يقف مع دولته وولاة أمره في مكافحة هذه الفتن، وإن الرابطة إذ تعلن شجب العالم الإسلامي لهذه الأعمال، لتدعو المسلمين إلى الحذر من عواقبها الوخيمة، وتوصيهم بتقوى الله، وتطبيق شرعه، والتواصي على الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والابتعاد عن كل ما يغضب الله، وتسأله سبحانه وتعالى أن يحمي بلاد المسلمين عامة وبلاد الحرمين خاصة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
أ.د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي

تاريخ النشر: 
15/05/2003 - 20:15
الموافق : 
1424/3/14هـ


مواقع التواصل الاجتماعي

 

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق