العربية |   Français | English
مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. 
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 
وبعد : فإن هذا الكتاب يحتوي على نصوص مختارة من مآثر سلفنا الصالح في التوجيهات والمواعظ والوصايا التربوية، ابتداءً بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ومروراً بأعلام المسلمين في التاريخ الإسلامي، وقد تمت مراعاة التنوع في الاختبار والتعليق على تلك النصوص بالقدر المناسب، وتم اختيار ما يتعلق بالسنة النبوية من الأحاديث المقبولة عند علماء الحديث، ونُظر في أخبار السلف الاعتماد على النقل من الكتب التي حاز مؤلفوها الثقة عند العلماء. 
ولعل هذه المختارات تسد جانباً مما تحتاج إليه الأمة في الجانب التربوي.


مقتطفات:
من مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم التربوية:
 
من مواقفه صلى الله عليه وسلم التربوية ما أخرجه الإمام أحمد من خبر أبي أمامة صُدَي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه قال: إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنى، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه (-أي اسكت-)، فقال: ادنه فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك ؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك، قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (مسند الإمام أحمد 5/256 – 257).
وهكذا أقنع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الفتى بالعدول عن رغبته الجامحة وذلك بنقله من الأنانية والقصور على التفكير بالذات إلى التفكير في مصلحة أفراد المجتمع الآخرين.
لقد كان – وهو يبدي رغبته في الزنى – يحمل فكرًا عدوانيّا، فهو لا يريد الضرر لأهل بيته ولكنه يطلب الإذن في أن يكون مصدر أذى للآخرين، ولقد كان – وهو يبدي تلك الرغبة – لا يتصور أنه سيهتك أعراض الناس، ولم تتبلور في مخيلته فكرة المقارنة بين أهله وأهالي الناس الذين سيعتدي على أعراضهم، فلما أن ساءله النبي صلى الله عليه وسلم وعقد له مقارنة بين نساء أسرته ونساء الآخرين تبين له أنه مقدم على جريمة كبيرة وتخريب لبيوت الناس.
وإن أي إنسان عاقل لو تصور أن تلك الضحية التي ستكون هدفا للمعتدين إنما هي إحدى محارمه فإنه ستقشعر نفسه من الزنى وستنقطع عنه وساوس الشيطان.
وإن هذه المحاورة لتبين لنا ما جُبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، حيث لم ينتهر ذلك الشاب الذي تقدم بذلك الطلب الشاذ، وإنما أخذه بالحوار الهادئ حتى استل من نفسه سيطرة الشهوات ونزغات الشيطان، كما تبين لنا من هذه المحاورة مقدرة النبي صلى الله عليه وسلم الفائقة على الإقناع وتغيير الاتجاهات الفكرية.
ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه،  قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ترزموه (-أي لاتقطعوا عليه بوله -) دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن – أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنه عليه (أي فصبه عليه – صحيح مسلم رقم 285 , الطهارة (ص236)).
وأخرجه الإمام البخاري مختصرا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفيه "فإنما بعثتم (أي إنما كلفتم بالدعوة والتبليغ) ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (صحيح البخاري , رقم 220 , الوضوء (1/323)).
فهذا مثل من منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم التربوي الرحيم، فعلى الرغم من شناعة المخالفة التي ارتكبها ذلك الأعرابي فإن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن معاملته بالقسوة ويأخذه باللين والهدوء، ويبين له أن تلك المخالفة التي ارتكبها تتنافى مع قدسية المساجد والأهداف التي بنيت من أجلها.
ولا شك أن هذه المعاملة الرحيمة ستترك أثرًا طيبًا في نفس ذلك الأعرابي، وهذا الأثر الطيب سيقوده إلى الإسلام إن كان لم يسلم بعد، كما سيقود الآخرين ممن يسمعون بهذا الخبر، إضافة إلى أنه يُعدُّ تربية بالقدوة الحسنة للمسلمين كي يعاملوا الكفار باللطف والرحمة ليتألفوهم إلى الإسلام، كما يشير إلى ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ".
ومن ذلك ما أخرجه الإمام النسائي من خبر عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذُورة أن عبد الله بن مُحيريز أخبره وكان يتيمًا في حجر أبي محذُورة حين جهزه إلى الشام قال قلتُ لأبي محذُورة إني خارج إلى الشام وأخشى أن أُسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال له: خرجت في نفر فكنا ببعض طريق حنين مَقْفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حُنين فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون فظللنا نحكيه ونهزأ به، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوت فأرسل إلينا حتى وقفنا بين يديه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع فأشار القوم إليَّ وصدقوا فأرسلهم كلهم وحبسني، فقال: قُمْ فأذن بالصلاة فقُمتُ فألقى عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه, قال: قل الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال ارجع فامدد صوتك ثم قال قل أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهدُ أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله آلا الله، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرةً فيها شيء من فضة، فقلت: يا رسول الله مرْني بالتأذين بمكة فقال: قد أمرتك به، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (سنن النسائي , كتاب الأذان 2/5 , وانظر مسند أحمد 3/409).
فهذا مثال لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الإسلام عن طريق تأليف القلوب بالأخلاق الفاضلة والمعاملة الكريمة وإهداء المال، فبعد أن كان أبو محذورة أوس بن مِعْيَر الجمحي – حيث كان ومن معه من الذين استسلموا لقوة الإسلام ولم يدخل الإيمان قلوبهم – أصبح يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بالأذان في مكة المكرمة، وذلك بعد أن هداه الله تعالى فآمن حقا بالإسلام.
وهكذا يَسُلُّ النبي صلى الله عليه وسلم سخائم الصدور، ويطهر القلوب من أمراض الغل والحقد والحسد، ويصحح العقول من الشك والتردد بمعاملة الناس بمكارم الأخلاق.. من الحلم والأناة والبشاشة واللطف والسخاء.. فإذا بأقسى الناس قلبا يكون من ألين الناس عريكة وأسرعهم استجابة، وإذا بأشدهم تمسكا بالباطل يكون من ألطفهم انقيادًا للحق واستسلامًا له.
 


إعداد: د. عبد العزيز بن عبد الله الحميدي - الأستاذ بجامعة أم القرى - كتاب قيّم متوفر في المكتبات

 

تاريخ النشر:  20/01/2007 - 15:00 الموافق :  1428/1/1