العربية |   Français | English
مقدمة:
 
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. 
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 
وبعد : فهذه توجيهات ومواقف سلوكية، في مجالات الورع والعفة والزهد والعبادة، والعمل الصالح عموماً، وقد تم تَتَبُّع هذه التوجيهات وجمعها من سيرة الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، ولم يكن المقصود من ذلك استقصاء هذه الأخبار، وإنما رصدتُ ما تم جمعه أثناء قراءتي في أمهات كتب التاريخ والتراجم وغيرها، وها أنذا أقدمها لإخواني القراء لأخذ العبرة منها في مجال تعديل السلوك وتقويمه في هذه الحياة، حيث إن فيها نماذج من حياة الاعتدال في النظر إلى الدنيا ودقة الموازنة بينها وبين الآخرة، كما أنها تمثِّل صوراً من حياة السلف الصالح الذين استطاعوا كبح جماح أنفسهم وسياستها نحو الاستقامة والاعتدال، وذلك يبعث على تتبع آثارهم وحسن الاقتداء بهم.
 
 
مقتطفات:
نماذج من ورع النبي صلى الله عليه وسلم وزهده وخشيته:
 
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين في الورع والزهد وخشية الله تعالى وفي غير ذلك من أمور الدين، وقد ضرب من نفسه مثلا أعلى في تطبيق ما دعا المسلمين إليه، فمن ذلك ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عقبة بن الحارث النوفلي قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر، فلما سلم قام سريعا، دخل على بعض نسائه، ثم خرج ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته، فقال: ذكرت وأنا فـي الصلاة – تِبْرا (-التبر هو الذهب-) عندنا فكرهت أن يمسى – أو يبيت– عندنا، فأمرت بقسمته (صحيح البخاري، رقم 1221، العمل في الصلاة (3/89)).
وإن هذا التصرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعدُّ مثالا عاليا للشعور بالمسؤولية، والتحري الدقيق في القضايا المالية، والمبادرة إلى تنفيذ التكاليف الشرعية وإن لم يكن وقت تنفيذها محددا خشية النسيان أو حضور الأجل.
 
وهذا لون من ألوان التربية النبوية المؤثرة حيث إن خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد بهذه الصورة أثار عجب الصحابة وتساؤلهم فتهيأت نفوسهم لاستقبال هذا التوجيه العملي نحو الاهتمام بحقوق المسلمين والإسراع في إيصالها إلى مستحقيها.
 
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد تحت جنبه تمرة من الليل فأكلها فلم يَنَمْ تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول الله أَرِقْتَ الليلة؟ قال: "إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه" (شمائل الرسول لابن كثير /113 – 114).
 
فهذا مثال على شدة ورع النبي صلى الله عليه وسلم وعِظَم خشيته من الله تعالى، فقد أرق ليلة كاملة من أكل تلك التمرة على قلتها خشية أن تكون من الصدقة، وقد حرَّم الله تعالى الصدقة على بني هاشم، وبهذا الورع الشديد والخشية البالغة كان صلى الله عليه وسلم قدوة عليا لأمته في ذلك.
 
وأخرج الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ترك دينارًا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة، وتـرك درعه رهنًا عند يهودي بثلاثين صاعا من طعام" (الزهد للإمام أحمد / 4).
 
وهذا مثل أعلى في الزهد في الدنيا والتقلل من متاعها، فلقد كان بإمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون أغنى رجل في العرب وربما في العالم، فلقد أفاء الله تعالى عليه في الغزوات أموالا عظيمة، ويكفي مثالا على ذلك غزوة حنين حيث كان يعطي الرجل الواحد ما بين جبلين من الغنم والإبل، وأعطى عددا من زعماء العرب وأكابرهم كل واحد مائة من الإبل ولم يدخر لنفسه من ذلك شيئا، والْتَحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وهو على تلك الصفة المذكورة من التقشُّف والزهد البالغ.
 
وأخرج الإمام أحمد بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلَتْ عليَّ امرأة من الأنصار فرأَتْ فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة مثنية، فرجعَتْ إلى منزلها، فبعثت إليَّ بفراش حَشوُه الصوف، فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ فقلت: فلانة الأنصارية دخلت عليَّ فرأَتْ فراشك فبعثَتْ إليَّ بهذا، فقال: رُدِّيه، فلم أردَّه وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال لي ذلك ثلاث مرات، فقال: يا عائشة رُدِّيه فو الله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة، فرددته (الزهد للإمام أحمد / 14).
 
وهذا أعظم ما يتصور من الزهد أن يكون بالإمكان أن تتحول الجبال ذهبا وفضة لرسول الله صلى الله عليه وسلم - بإذن الله تعالى – ثم يزهد في ذلك كله وينام على عباءة، ويُلحُّ على عائشة رضي الله عنها في ردِّ ذلك الفراش!
 
وأخرج الإمام أحمد بإسناده من حديث أبي عبد الرحمن سفينة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلا ضَافَ عليّا رضي الله عنه، فصنع طعاما، فقالت فاطمة رضي الله عنها: لو دعونا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل معنا، فدعوه، فجاء فوضع يديه على عُضَادَتَي الباب فرأى قِرامًا في ناحية البيت عليه صورة فرجع، فقالت فاطمة: الْحقه فاسألْه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليس لي – أو لنبي – أن يدخل بيتًا مُزَوَّقا" (الزهد للإمام أحمد / 7).
 
وهكذا فزع النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية ذلك القماش الذي عُلِّق في ناحية من البيت ورجع ولم يدخل حتى أزيل ذلك القماش لكونه من مظاهر الدنيا.
 
وأخرج ابن سعد بإسناده عن جندب بن سفيان قال: أصابت النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَشاءَةُ نخلة فأدمت إصبعه، فقال: ماهي إلا إصبع دُمِيَت، وفي سبيل الله ما لَقِيَتْ، قال: فحُمِل فوُضِع على سرير مرمول بِشُرُط (-أي منسوج بحبال من ليف-)، ووضِع تحت رأسه مِرفَقة من أدَم (-أي وسادة من جلد-) محشوة بليف، فدخل عليه عمر وقد أثَّر الشريط بجنبه فبكى عمر فقال: ما يبكيك؟ قال: يا رسول الله ذكرت كسرى وقيصر يجلسون على سُرُر الذهب ويلبسون السندس والإستبرق – أو قال الحرير والإستبرق – فقال: أما ترضون أن تكون لكم الآخرة ولهم الدنيا؟ (طبقات ابن سعد 1/466).
 
وهكذا كان سرير النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصلابة والخشونة حتى أثر على جنبه، وقد أثار هذا المنظر شفقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتذكر ما عليه ملوك فارس والروم، من الترف والنعيم، فقارن بين المشهدين فبكى، وقد بين له النبي صلى الله عليه وسلم أن هدف أولئك الدنيا، وقد نهلوا منها بأوفر نصيب، ولكن لاحظَّ لهم في الآخرة، وأن هدف المسلمين الحصول على السعادة الأخروية، فلذلك أضْعَفوا من نصيبهم في الدنيا.
 
ومن أمثلة ورع النبي صلى الله عليه وسلم ما أخرجه الإمام أبو داود من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأيته صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي الحافر يقول: أوْسِعْ من قبَل رجليه، أوسع من قبَل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأة فأجاب ونحن معه فجيء بالطعام فوضع يده، ثم وضع القوم فأكلوا، ففطن آباؤنا والنبي صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فيه- يعني فطنوا لتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: أجد لحم شاة أُخِذَتْ بغير إذن أهلها، فأرسلت المرأة تقول: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع – وهو موضع تباع فيه الغنم – لتُشتَرى لي شاة فلم توجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن يرسل بها إليَّ بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلتْ بها إليَّ فقال صلى الله عليه وسلم: أطعميه الأسارى" (سنن أبي داود رقم 3232، البيوع 3/627).
 
وفي هذا الحديث نجد حماية الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من الشبهات حيث أعلمه بأن تلك الشاة أُخذت بغير إذن مالكها، كما نجد مثالا لورعه العظيم حيث رفع يده ولم يستمر في الأكل من تلك الشاة.
 
كما نجد مثالا للحزم في تطبيق الشريعة وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يداري أحدًا في ذلك.
 
ونجد في هذا الخبر لونا من ألوان التربية النبوية حيث أمسك عن الأكل حالاً، وأمر المرأة بأن تطعم ذلك الطعام أسرى المشركين وفي ذلك أمر للصحابة بعدم الأكل منه، وهذه الحادثة وأمثالها تبقَى ماثلة في أذهانهم فيحميهم تذكُّرُها من مقارفة الشبهات.
 
ونجد مع ذلك عظمة التشريع الإسلامي في حماية حقوق الناس، فإنه بعد هذا لن يتجرأ أحد على الأخذ من أموال الناس بغير إذنهم وسيتوقف الطرف الآخر عن الاستفادة حتى يتأكد له أن المال مأذون به من مالكه.
 
وأخرج البلاذري من خبر محمد بن شهاب الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليًّا إلى بني جذيمة الذين قتل خالد بن الوليد منهم من قتل، بدُرج فيه ذهب فأعطاهم ديات من قتل منهم وما أصيب من أموالهم، وفضُل في الدرج شيء من الذهب فقال لهم علي: هل لكم في أن أعطيكم هذا الفضل على أن تُبرئوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أصيب لكم مما لا تعلمونه ولا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم، فأعطاهم ذلك الفضل، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل قال: "لَهاذا أحب إلي من حمْر النعم" (أنساب الأشراف 2/354).
 
وهكذا كانت فرحة رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيمة حينما أبرأ علي رضي الله عنه ذمته بذلك المال حيث ذكر بأن محبته لذلك أعظم من محبته لحمْر النعم، وحمر النعم هي الإبل وهي أنفس الأموال عند العرب، وهذا مثال على ورع النبي صلى الله عليه وسلم واهتمامه ببراءة الذمة من مسؤولية الناس.
 
كما أن هذا الخبر يدل على علم علي رضي الله عنه العميق واهتمامه بالورع.
 
 
إعداد: د. عبد العزيز بن عبد الله الحميدي - الأستاذ بجامعة أم القرى - كتاب قيّم متوفر في المكتبات
 

 

تاريخ النشر:  20/01/2007 - 14:45 الموافق :  1428/1/1