العربية |   Français | English
مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. 
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 
وبعد : فهذه توجيهات ومواقف علمية، وقد كان هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من مواقف السلف العلمية، تمَّ رصدها وترتيبها والتعليق عليها، وقد رأيت أن أصدرها بنبذة يسيرة من التوجيهات النبوية في فضل العلم والعلماء. 

ومما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : ((من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) أخرجه أبو داود والترمذي والدارمي من رواية أبي الدرداء رضي الله عنه، وصححه الشيخ الألباني. [سنن أبي داود، رقم 3641 (4/57)، سنن الترمذي، رقم 2686 (5/48)، سنن الدارمي، رقم 342 (1/110)، صحيح الجامع الصغير، رقم 6173.].
فهذا حديث عظيم في بيان فضل العلم الديني وفضل العلماء وطلاب العلم، وهذا الفضل يبدأ من أول مرحلة في طلب العلم، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة)) وذلك لأن طالب العلم قد بدأ بسلوك الطريق الذي يحمل به المسؤولية، فالعلماء مسؤولون عن حمل العلم الديني وتبليغه للناس إفتاءً وتعليماً وتذكيراً وتطبيقاً، وذلك فيما يشمل الأفراد والجماعات والدول، فلهذا استحق العالم هذا الفضل منذ بدئه في طلب العلم. 


مقتطفات:

قبل أن أذكر المواقف الإسلامية في هذا الموضوع أحب أن أقدم لذلك بذكر حديث عظيم كان له أثر بالغ في إخلاص كثير من العلماء على مر العصور، وقد أخرج هذا الحديث الإمام أبو عيسى الترمذي وحسنه من حديث الوليد أبي عثمان المدائني عن عقبة بن مسلم أن شُفَيّا الأصبحيَّ حدثه أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت له: أنشدك بحقِّ وبحقِّ لما حدَّثتني حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلتهُ وعلمتهُ، فقال أبو هريرة أفعلُ، لأُحدِّثنك حديثًا حدَّثنيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عقلتُهُ وعلمتُهُ، ثمَّ نَشَغَ (-نشغ نشغة: أي شهق حتى كاد يغمى عليه، ويحصل ذلك للإنسان إذا اشتد أسفه على فائت-) أبو هريرة نشغةً، فمكث قليلاً ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثًا حدَّثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيرهُ، ثم نشغ أبو هريرة نشغةً أخرى، ثم أفاق فمسح وجههُ فقال: لأُحدثنك حديثًا حدَّثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى ثم أفاق ومسح وجهه فقال: أفعلُ لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه في هذا البيت ما معه أحد غيري وغيره، ثم نشغَ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مالَ خَارّا على وجهه فأسندته علي طويلاً. 
 
قال: ثم أفاق فقال: حدَّثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينـزلُ إلى العباد ليقضي بينهم وكلُّ أمةٍ جاثيةٌ، فأولُ من يدعو به رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقولُ الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملت فيما عُلِّمت؟ قال: كنت أقوم به آناءَ الليل وآناءَ النهار. فيقول الله لهُ كذبت. وتقولُ له الملائكة كذبت. ويقول الله: بلْ أردتَ أن يُقال إن فلانًا قارئ فقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له ألم أوسِّع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى ياربِّ. قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدقُ، فيقول الله له كذبت، وتقول له الملائكة كذبت. ويقول الله تعالى: بل أردتَ أن يقال فلانٌ جوادٌ فقد قيل ذلك. ويُؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله له: فبماذا قتلتَ؟ فيقول: أُمِرتُ بالجهاد في سبيلك فقاتلتُ حتى قتلت. فيقول الله تعالى له كذبت، وتقول له الملائكة كذبتَ. ويقولُ الله: بل أردت أن يُقال فلانٌ جريء فقد قيل ذاك، ثم ضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسْعَرُ بهم النار يوم القيامة.
 
وقال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبةُ بن مسلم أن شُفَيّا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العَلاء بن أبي حكيم أنه كان سيَّافًا لمعاوية فدخل عليه رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديدًا حتى ظننا أنه هالك. وقلنا قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه وقال: صدق الله ورسوله: ((مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [هود: 15 – 16] (سنن الترمذي  رقم 2382 ، كتاب الزهد (4/591 – 593)).
ففي هذا الحديث تصوير بليغ لمصائر هؤلاء الثلاثة الذين وقعوا في الرياء ولم يخلصوا أعمالهم لله تعالى، وإنما كانوا هم السابقين إلى الاصطلاء بنار جهنم لأن أعمالهم تلك كانت مشتملة على الاستهانة بالله عز وجل، فكان ظاهرها أنها أعمال صالحة، ولكن حقيقتها أنها من كبائر الذنوب لأنها قد تحولت إلى شرك، وفي هذا تحذير شديد من الوقوع في الرياء الذي قد يقع الإنسان فيه وهو لا يشعر.
 
وفي التحذير من الرياء يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (صحيح مسلم ، رقم 2985 ، كتاب الزهد (ص2289)).
 

إعداد: د. عبد العزيز بن عبد الله الحميدي - الأستاذ بجامعة أم القرى - كتاب قيّم متوفر في المكتبات

تاريخ النشر:  20/01/2007 - 14:45 الموافق :  1428/1/1هـ