العربية   Français  English

 
من مذكرات نعمان السامرائي
 
صدرت مذكرات الأستاذ الدكتور نعمان عبدالرزاق السامرائي منذ أشهر، تناول فيها ظروف نشأته المبكرة في العراق، وسجل تجربته في التدريس الجامعي والعمل الدعوي، في سياحة علمية ممتعة يكدرها شىء من التكرار وأخطاء الطباعة.
يتذكر الأستاذ السامرائي تحت عنوان: درويش في اليابان، حكاية رجل من رجال الدعوة اسمه نعمة الله، سلك أسلوباً طريفاً في الدعوة متنقلاً من بلد إلى بلد، بزاد قليل من العلم أو معرفة اللغات.. فماذا قال؟
 
 
من الحانة إلى المسجد
 
درويش غريب في لباسه وفي لغته وشكله العام، كأنه جاء الساعة من الهملايا. يلبس ثوباً أبيض شتاء وصيفاً، وفوقه جبة تركية تصل إلى نصف الساق، ويغطي رأسه بغترة بيضاء.
يضع دوماً في جيب جبته أكثر من نشرة تعرف بالإسلام، وعلى لسانه بضع جُمل من لغات العالم.
تراه اليوم في طوكيو وغداً في ألمانيا وبعد غد في كوريا، وهكذا سائحاً في بلاد الله بلا خوف.
هذه هي صورة الدرويش (نعمة الله) الذي عشق الدعوة، ويملأه الشعور أن الله تعالى خلقه لذلك. قلة العلم يعوضها نعمة الله بالإخلاص والشجاعة، تلك هي المعادلة عند نعمة الله: قليل من العلم مع كثير من الشجاعة والإخلاص..
وقد أنعم الله عليه بصوت جميل قوي، فيصدح بالقرآن بعد أن يجلس جلسة جبريل حين جاء يسأل صاحب الرسالة، ويعلم المسلمين.
وصل نعمة الله إلى ألمانيا حيث يعيش بضعة ملايين من قومه.
وحيثما حلَّ فإن قلبه يحمل بوصلة تدلُّه على المسجد، فيتجه إليه، وقد يجد غرفة يأوي إليها، وفيه يصلي ويدعو ومنه ينطلق.
تحدث نعمة الله إلى الأتراك بلغتهم، وقد أحبوا هذا الذي تحدث إليهم بلسانهم، ونعمة الله لا يريد أن يكتفي بمن جاء إلى المسجد، فإن من هم خارج المسجد أحق بالاستماع إليه، قال لهم في قوة وعزم: أريد إخوانكم أين إخوانكم؟
قالوا له: أتقصد أهل الحانات والخمارات، قالوا باشمئزاز وتعجب.
وأمام دهشتهم كان نعمة الله يدخل إلى إحدى الحانات بشكله الغريب ولحيته الكثة.
يقف نعمة الله وسط الحانة، ثم يهتف بندائه المعهود: (قولوا لا إلا الله تفتح لكم الدنيا)، ثم يعلو صوته وهو ينادي على مرتادي الحانة، يا أبناء المجاهدين، وصل أجدادكم إلى هنا وإلى فيينا يحملون الإسلام. وجئتم أنتم من أجل عمل شريف وكسب الحلال.. وتمضي الكلمة هذا لتنتهي بطلب مباشر: هيا بنا نخرج من هنا ونمضي إلى المسجد.
مرتادو الحانة وقد أخجلهم هذا النداء المباشر يقدمون الأعذار، فمن قائل: إنه لا يستطيع المشي بسبب السكر، ومن قائل إنه مجنب..
ونعمة الله لديه الحل مقابل كل عذر، هناك حمام في المسجد تستطيع أن تتطهر، أما من لا يستطيع المشي فسوف يساعده من يستطيع المشي، ثم يصدر أمره كأنه ضابط وأمامه مجموعة من الجنود، وينطلق الجميع إلى المسجد، حيث يعاهد الله الكثير منهم على التوبة وعلى عدم ترك الصلاة.
يقول نعمة الله: بعد سنوات وأنا في الحرم، تقدم إلي رجل حسن الهيئة وسلَّم علي وقبَّلني وكأنه يعرفني من زمان بعيد، ثم قال مبتسماً: هل عرفتني، أنا أحد أولئك السكارى الذين لم يستطيعوا المشي إلى المسجد، لقد تبت إلى الله منذ ذلك اليوم توبة نصوحاً، وأنا أدعو لك دائماً.
 
 
في كوريا الجنوبية
 
وصل نعمة الله إلى كوريا الجنوبية ليصادف انعقاد مؤتمر دولي كبير. حدثته نفسه: يا نعمة سيحضر العشرات من حكام العالم، آه لو استطيع أن أقف أمامهم واسمعهم كلام الله، ولكن أنى لمثلي أن تتاح له فرصة مثل هذه.
وبينما هو جالس يحلم ويحزن، يجد أمامه أربعة شباب، وبلغة الإشارة سألوه إن كان مريضاً أو محتاجاً؟ فطلب منهم الجلوس ، فجلسوا لعلهم يجدون ما يسليهم عند هذا الرجل غريب الشكل طويل اللحية...
جعل الرجل يتلو عليهم القرآن بصوته الجميل، ثم أخرج نشرة صغيرة وسلم كل واحد منهم نسخة، ثم أمرهم بترديد الشهادتين، ففعلوا، فقال لهم: أنتم الآن مسلمون.. أنت اسمك أبو بكر وأنت عمر وأنت عثمان وأنت علي.
مضت سنوات، وفي مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام بالمدينة المنورة يتقدم إلى نعمة الله ثلاثة شبان يسلمون عليه، ويتحدثون بالعربية، ويذكرونه باللقاء في سيئول. يتعجب الشيخ وكأنه يرى مناماً ويسألهم ما الذي جاء بكم إلى هنا، ومن علمكم العربية وأين أخوكم الرابع.
قالوا: بعد أن تركتنا ومشيت صرنا نعتقد أننا مسلمون حقاً، ولكن ماذا نعمل، ذهبنا نسأل عن بيت للمسلمين، فوجدنا جمعية إسلامية وطلبنا تعلم الإسلام، فبعثتنا الجمعية إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وقد حضرنا منذ سنوات، أما أخونا يرحمه الله - مرض ومات هنا.
 
 
في ضيافة الشرطة
 
وصل نعمة الله إلى إحدى الدول العربية، ومنذ نزوله إلى أرض المطار كان موضع اشتباه، فاستلمه الشرطة، وجعلوا يحققون معه ويمطرونه بعشرات الأسئلة عن المهمة الخاصة التي أتت به، ولكن نعمة الله لا يزيد من أن يجلس جلسة جبريل ويرفع صوته عالياً بالقرآن، وعندما يأتي وقت الصلاة يرفع صوته بالأذان!
يرن الهاتف من جهة المدير، ما هذا الذي أسمعه... هذا الدرويش الكارثة أخرجوه فوراً من هنا!
ويصبح الشرطة أصدقاء له في كثير من البلاد التي يصل إليها.
ها هو يصل إلى مدينة طوكيو، ولديه صديق يريد أن يعثر عليه ويذهب للقائه، ولكنه لا يحمل عنواناً له أو رقم هاتف، بكل عفوية يتوجه إلى قسم الشرطة، فهم سيعثرون عليه، ألا يكفي أنه يعرف اسمه، يتعاطف الشرطة معه، وهم ينظرون إلى هذا الدرويش من جبال الهملايا.
في أثناء البحث عن عنوان الصديق، أمضى نعمة الله الوقت في الصلاة والدعاء، وما أن تنتهي صلاته حتى يخبروه أن الصديق في طريقه إليه، وما هي إلا لحظـات ويدخل الصديق، ليأخذه في السيارة بعد شكر رجال الشرطة.
يقول له الصديق: لتؤجل جولاتك ، فالناس غداً في إجازة وهم في شغل عن الاستماع إليك.
يرد نعمة الله: هذا ما كنت أتمناه، هناك في الملاعب والميادين أذهب إليهم وأرفع الأذان فيجتمع عندي الحضور من المسلمين فنقيم الصلاة ويرى اليابانيون ما لم يروه من قبل.
وهكذا يخرج الشيخ إلى أماكن المنتزهات حيث يتجمع الناس، ويعلو صوته بالقليل من العبارات التي حفظها من اللغة اليابانية:مثل قوله: كل إنسان لديه مشاكل، وهذه المشاكل لها حلول، وعندي أكثر من حل، قل لا إله إلا الله تحل جميع مشاكلك.
يجتمع إليه المسلمون عندما يرفع الأذان ، فيتقدم الصفوف ليصلي بهم.
رجل ياباني يرى المنظر ويبكي، يسارع الشيخ نحوه ويطلب من يترجم له: لماذا أنت تبكي أيها الأخ؟ يقول الياباني: نظرت إليكم وأنتم غرباء فقراء من شتى أنحاء الأرض تتمسكون بدينكم هكذا، ونحن الأغنياء مطمئنون في بلادنا ولكننا ننسى ديننا ونبتعد عنه، يقول له الشيخ: ولماذا لا تصبح مثل هؤلاء، تقول كلمات قليلة ثم تصير معهم ، قل لا إله إلا الله تكون مسلماً مثلهم.
 
 
مغنية تعتنق الإسلام
 
وفي إحدى محطات القطار يلفت نظر الشيخ امرأة طويلة ذات جمال، هيئتها توحي بالثراء والأهمية يتقدم الشيخ إليها وهو يتكلم بكلام بعضه انجليزي وبعضه ياباني، ويعرف أنها مغنية، فيقول لها: وأنا صوتي جميل أيضاً وأغني أحياناً، ويروح يقرأ آيات من القرآن بأداء مؤثر. تعجب المغنية بالصوت وإن لم تفهم المعنى، فيأخذها إلى المركز الإسلامي، ولا يتركها حتى تدخل في دين الله، ثم تصير المغنية فيما بعد الداعية (فاطمة) ، وسبحان مغير الأحوال.
 
 
نعمة لله وأساتذة الجامعة
 
سمعنا من الدكتور صالح السامرائي وبحضور نعمة الله أن أستاذاً جامعياً حضر بسيارته إلى المركز الإسلامي في طوكيو، وطلب بعض الكتب، ورآه الشيخ خارجاً وقد فتح باب السيارة، فناداه ودعاه إلى الإسلام، ولقنه الشهادة. فطلب الأستاذ أن يزورهم في الجامعة، وسيجمع له الأساتذة وطلبة الدراسات العليا.
ذهب الشيخ على عادته متسلحاً بالنشرات في جيب الجبة، فوجد مائتين بين أساتذة وطلبة دراسات عليا ينتظرونه وقف الأستاذ ليعلن أنه اعتنق الإسلام ثم قدم الشيخ فراح يقرأ القرآن بصوته الجميل. ثم أعقبه الأستاذ بشرح مؤثر للإسلام، وانتهز الشيخ اللحظة الحاسمة، وقال: قولوا معي لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيردد الجميع الشهادتين خلفه، ولم يلبثوا أن صاروا مسلمين، وهنا تبرز مشكلة من أين للشيخ أن يأتي لكل هؤلاء بأسماء إسلامية.
يقول الدكتور السامرائي : مع أن الشيخ لا يكذب ولا يبالغ، فإننا شككنا في الرواية ، ولولا شريط الفيديو المصور لما صدقنا ما سمعنا.
الدرويش نعمة الله لا شىء يحمله على الكذب أو المبالغة، إنه هكذا بتلقائيته وبساطته وزهده ينتقل من مكان إلى آخر، يرفض أن يخصص له راتب كي لا تتعلق نفسه بذلك، ويفضل أن يعطى مصروفاً قليلا لا يعيقه من الحركة والانتقال، فإذا انتهى دفع له آخر.
إنه لا يملك من حطام الدنيا شيئاً سوى الثوب الأبيض والجبة البيضاء وغترة واحدة، ، والجبة عمرها أكثر من عشر سنوات...
مثل هؤلاء الذين يعيشون من أجل كلمة الشهادة لا يحتاجون إلى الكذب أو المبالغة.
 
تاريخ النشر: 
03/02/2016 - 16:45


مواقع التواصل الاجتماعي

 

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق