العربية   Français  English

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
أحمد الله وأثني عليه، وأشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأسأله أن يديم علينا نعمة الاستقامة على ما كان عليه سلفنا الصالح، ونعمة الأمن والاستقرار والرخاء.
وبعد :
فمن أين أبدأ فيما سأشير إليه في هذه اللمحات السريعة عن شخصية بارزة على مستوى القيادة، وعلى مستوى الشعب في مملكتنا العربية السعودية، أدام الله توفيقها وعزها ونصرها، وفي عالمنا العربي، وأمتنا الإسلامية أينما كان أبناؤها، وفي العالم أجمع على المستوى الإنساني والسياسي، والثقافي والإعلامي.
إن الكتابة عن صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، كتابة عن تاريخ يتجاوز نصف قرن، وما فيه من أحداث، وإنجازات، وتطورات، وبخاصة في المملكة العربية السعودية، قلب العالم العربي والإسلامي، ومركزه، ومنطلق الرسالة العالمية الخاتمة، رحمة للعالمين، وسعادة للبشر أجمعين، جمعت جوهر الرسالات الإلهية كلها.
اصطفى الله لها خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم، وأنزلها في أقدس بقعة في الأرض، ومن الله بها على حملتها الأول العرب الخلص من أبناء هذه البلاد، الجزيرة العربية، التي اختارها الله لتكون خالصة للإسلام والمسلمين، وحمى للحرمين الشريفين.
وامتن الله على أبنائها بأعظم منة ترتبط بالإسلام والمسلمين، وقبلتهم ومكان حجهم ومنطلق رسالتهم، بأن وفق وهدى لإقامة المملكة العربية السعودية مننذ عهدها الأول على الإسلام، عقيدة وشريعة، وسلوكاً وتعاملاً، ووفق الله شخصية من أعظم الشخصيات في تاريخ العرب والمسلمين، الإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، لجمع أبناء المملكة على الإسلام وهديه، ومواجهة خصومه بالعدل والحكمة والحسنى، وفق هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن تبعه بإحسان.
وأصبحت هذه البلاد قدوة رائعة للمسلمين المخلصين، ورمزاً لأمة محمد المستقيمة على منهجه، مدافعة عنهم، ومعينة لهم فيما يحتاجون، وجامعة لهم على الحق والخير، ومتعاملة مع مختلف القوى العالمية بانفتاح وفق أسس الإسلام وهديه.
 
فالمملكة بتاريخها وواقعها، ومستقبلها بإذن الله فضل عظيم من الله به على المسلمين.
لقد كان تاريخ الملك عبد العزيز رحمه الله مدرسة عظيمة في وسائلها وأهدافها ونتائجها.
ومن أعظم المتخرجين فيها أبناء الملك الموحد، وكبار المسؤولين والمثقفين من أبناء المملكة، ترابطاً مع ولاة الأمر، وتعاوناً مع العلماء الربانيين، ذوي المكانة المتميزة لدى الملك عبد العزيز، ومن خلفه من أبنائه البررة الملوك : سعود وفيصل وخالد وفهد رحمهم الله إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وعهده المبارك الإنساني المتميز.
هذه المقدمة الموجزة لا بد منها عند الحديث عن سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز، الذي تخرج في مدرسة الملك عبد العزيز، واستكمل تأهيله بإسهامه الكبير في هذا الصرح العظيم المملكة العربية السعودية، وطنياً وعالمياً.
إن الحديث عن الشخصيات المتميزة في مجتمعها وأمتها، ليس مدحاً وإشادة فقط، وليس موجهاً للشخصية المتميزة، ولكنه حديث عن تاريخ وإنجازات، وتجارب، موجه في رسائل عدة إلى كل من يطمح في الإسهام إسهاماً إيجابياً في مجتمعه، وإلى كل من يرغب أن يسدد خطاه، ويصحح مسيرته.
فكم أفادت الكتابة عن الشخصيات والسير الذاتية قارئيها.
 
وكم وقف الكثير من العقلاء عند المواقف الإيجابية لها، فاستفادوا منها في حياتهم وتعاملهم، وعند المواقف السلبية فوعوها وأخذوا منها العبرة، وحرصوا على عدم الوقوع فيها.
ويقيني أن سمو الأمير سلمان لا يرضى بالإشادة به، والحديث عنه بقصد المدح، وأن كثيراً ممن له علاقة به وتعامل مباشر معه، ومتابعة لإنجازاته غني عما سأشير إليه من لمحات، ولديه ما هو أكثر من ذلك.
وأن ما سيرد عرضاً من صلتي المباشرة به، لا يعني الحديث عني شخصياً أو مجالات العمل التي كنت فيها، لكنها مهمة، لأن رؤية الشخص وقناعاته إنما تنضج وتتضح من خلال التعامل، وأحياناً الوقائع الخاصة.
إن للسياسة والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والإعلام رجالها المتخصصين فيها، ولا أزعم أني منهم، ولذا فتركيزي سيكون على مجال اهتمامي، وما له علاقة به، وإن كان يصعب أحياناً الفصل بين الاهتمام الشخصي، وما له علاقة به من القضايا الأخرى.
أول لقاء لي بسمو الأمير سلمان كان  في عام 1375هـ في مكتبه في إمارة الرياض، ثم في منزله في عام 1376هـ ترك لديَّ انطباعاً خاصاً عن شخصيته واهتماماته، ترسخ فيما بعد، وتعددت جوانبه، وتطور حينما كنت مسؤولاً في جامعة الإمام، في كلية اللغة ثم في وكالة الجامعة وإدارتها، ثم في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ما يقرب من ثلث قرن.
وعلى الرغم من المرجعيات الرسمية وتقديرها، ومهمة كل وزارة أو مصلحة حكومية واختصاصها، واعتبار ذلك وتقديره.
إلا أني وزملائي ننظر إلى سمو الأمير سلمان نظرة متميزة، قائمة على العلاقة المباشرة، والتي تترك انطباعاً نفسياً متميزاً، وبخاصة أنه أمير منطقة الرياض، وعملنا في عاصمة المنطقة.
هذه المنطقة التي تولى مسؤوليتها أكثر من خمسة وخمسين عاماً مليئة بالأحداث والتغيرات.
وعلى الرغم من تركيز المسؤول على واجبات وظيفته الأساسية، والتي أعطاها سمو الأمير سلمان الأولوية، إلا أنه حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية تميز بتعدد الاهتمامات والأعمال، وحظي برعاية وثقة خاصة من ولاة الأمر في المملكة غفر الله لمن انتقل منهم إلى رحمة الله، وحفظ خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله ووفقه لكل خير.
 
ولا شك أن الثقة إذا منحت للشخص تدفعه إلى الإنجاز، وكل متابع للرياض العاصمة، وبقية محافظاتها يدرك حقيقة الإنجازات الهائلة التي تمت بحرص من القيادة الكريمة ومتابعة واهتمام، من سمو الأمير سلمان، وتعاون من مختلف الوزارات والمصالح الحكومية، كما حصل في بقية مناطق المملكة، ولكن للعاصمة تميز خاص بها.
إن المهمات الأساسية لأمراء المناطق حل مشكلات أبنائها، ورعاية مصالحهم، ومتابعة المشروعات الخاصة بالمنطقة، والحرص على الأمن والاستقرار والعدالة، ورعاية المحتاجين، وغير ذلك مما هو معروف.
وقد أولى سمو الأمير سلمان هذه الأمور باعتبار مسؤوليته المباشرة اهتماما وعناية فائقين.
وتميز فوق ذلك، بما جعله شخصية بارزة وطنيا وعالميا، وذلك باهتمامه بالسياسة والثقافة والإعلام، والأدب، والتاريخ، وبخاصة تاريخ الجزيرة العربية، والتواصل المتميز مع العلماء والمؤرخين والأدباء والمثقفين، والرؤية العالمية المنفتحة وفق أسس الإسلام، وما سار عليه سلف الأمة الصالح، وما قامت عليه المملكة، وطبقه قادتها، وأصبح ثقافة وقناعة راسخة لدى أبنائها في مختلف الأزمنة والأمكنة.
 
وسأركز في هذه اللمحات على أمور أربعة :
 
1 – الرؤية الدينية :
 
ليس بغريب على أبناء المملكة، وبخاصة أبناء الملك عبد العزيز، والأمراء من آل سعود، أن تكون لديهم رؤية دينية متميزة، فالمملكة كما هو معروف نشأت على أسس دينية منذ عهد المؤسس الأول، الإمام محمد بن سعود الذي ناصر وأيد دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهما الله، واستمر ذات النهج الذي جدده وبقوة متميزة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن رحمه الله في جمع كلمة أبناء المملكة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحكم بينهم بشريعة الإسلام.
وهو ما سار عليه أبناؤه من بعده إلى العهد الموفق عهد خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، حفظه الله ونصر به دينه.
فتطبيق الشريعة، وخدمة الحرمين، والتضامن الإسلامي، ونصرة القضايا الإسلامية، والتعاون العالمي، وفق أسس الإسلام ومنطلقاته العالمية، أمور بدهية بالنسبة لقادة المملكة والمسؤولين فيها.
والحديث عن سمو الأمير سلمان، ونشأته وثقافته، ومدرسته التي تربى فيها مرتبطة بهذه الأسس والمنطلقات، فكل من يعرفه أو يتعامل معه يدرك أهمية الجانب الديني لديه، وتقديره للعلم والعلماء.
وعلى الرغم من ثقافته الدينية، ووضوح الرؤية لديه في الكثير من القضايا، عبر تجاربه وعمله الطويل، في إمارة الرياض، وكثرة قراءاته في الكتب الدينية، ومتابعته لما ينشر في وسائل الإعلام.
على الرغم من ذلك كله فإن الجانب الديني لديه يحال إلى صاحب الاختصاص في القضاء أو الإفتاء، أو المستشار الشرعي في الإمارة، وهذا ديدن قادة المملكة.
ومن خلال معرفتي الطويلة بسمو الأمير سلمان حفظه الله أعرف مكانة العلماء المتميزة لديه، وتقديره للعلم وأهله، وتواصله معهم، بل إن بعض اللقاءات مع سموه تتحول إلى حلقات نقاش متميز ومثمر في المسائل الشرعية.
 
لقد عملت في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنوات طويلة.
والجامعة بفضل الله مصدر رئيس للعلماء، سواء في مجال القضاء أو الإفتاء، أو التعليم الشرعي والعربي والاجتماعي، وتضم عبر تاريخها المشرق علماء متميزين، لهم علاقاتهم الوثقى بسمو الأمير سلمان.
ولا ينسى لسموه رعايته لمناسبات التخرج في الجامعة ومؤتمراتها وندواتها المتخصصة، واستقباله للوفود والشخصيات التي تزور الجامعة، وتوجيهاته السديدة لطلابها وخريجيها وأساتذتها.
واهتمامه بالجامعة ومتطلباتها منذ أن كانت كليات ومعاهد، وإلى أن تحولت إلى جامعة، دليل بارز على الرؤية الدينية الصحيحة لسموه، لأن الجامعة موئل العلماء ومكان تأهيلهم.
ولا ينسى لسموه ذلك الموقف الرائع التاريخي في السرعة في اختيار موقع الجامعة الجديد، وتذليل العقبات حتى تم استلامه.
وعناية سموه الكريم بالقرآن، وحملته وتشجيعهم عناية متميزة، وقد تابعت ذلك حينما كانت جمعيات تحفيظ القرآن مرتبطة بجامعة الإمام، ثم بعد انتقالها إلى وزارة الشؤون الإسلامية، وكيف كان يقدم الإعانات ويحضر المناسبات في جمعية تحفيظ القرآن في الرياض التي تعتبر من أكبر الجمعيات في المملكة.
ولا أنسى موقفه الرائع حينما اقترحت عليه إنشاء مسابقة للقرآن الكريم تحمل اسمه الكريم على مستوى المملكة، وتحمل نفقاتها وجوائزها التي بلغت رقما عاليا في ذلك الوقت، فوافق مباشرة وبدون تردد، وأصبحت هذه المسابقة عملا عظيما، ولا تزال مستمرة في عطائها، وأجرها إن شاء الله، مضاعف لسموه، لما للعناية بالقرآن وأهله من أهمية لدى المسلمين.
وذلك كله خدمة للإسلام و للعلم وأهله، وتلاحما بين الأمراء والعلماء، وهو منهج السلف الصالح رحمهم الله، وإذا ما صلح الأمراء والعلماء، وكان بينهم التعاون والترابط صلح حال المجتمع.
وذلك من أبرز سمات الدولة المسلمة، والمجتمع المسلم، وسمات المملكة وقادتها.
 
وفيما يتعلق بالشأن الإسلامي العام، والاهتمام بقضايا المسلمين، وإيضاح الرؤية الصحيحة عن الإسلام، وما تسير عليه المملكة في منهجها الوطني والعالمي الثابت على أسس الإسلام، والمنفتح للتعاون مع مختلف الأمم والشعوب، وأتباع الديانات والثقافات الأخرى.
فيما يتعلق بذلك كله كانت لسمو الأمير سلمان – حفظه الله – جهود متميزة، انطلاقا من واجبه ومسؤوليته الدينية والوطنية، وتنفيذا لتوجيهات القيادة الكريمة.
أعرف ذلك ويعرفه غيري من المتابعين لاهتمامات سموه، سواء في اللجان والهيئات والمناسبات التي يرأسها أو يشرف عليها.
أو في وسائل الإعلام الوطنية والعالمية.
وقد رافقت سموه الكريم في افتتاح المركز الإسلامي في روما، والذي كانت المملكة العربية السعودية الدولة الأهم والأبرز في إقامته، وكانت مناسبة عالمية متميزة.
وافتتح سموه مراكز إسلامية أخرى، ودعم العديد منها.
 
ولا يغيب عن ذهن أي مواطن سعودي، بل أي مهتم بالشأن الإسلامي، والعلاقات الدولية معرض المملكة بين الأمس واليوم، والذي تنقل في العديد من دول العالم، وبخاصة في أوروبا وأمريكا.
وكان سمو الأمير سلمان الرئيس الأعلى للجنة المنظمة له ومتابعا له، ومذللا للعقبات التي تواجه.
ذلك المعرض لا يقتصر على الحديث الإعلامي عن المملكة على الرغم من أهميته، بل إنه معرض يتحدث عن الإسلام وتاريخه، لأنه معرض عن الحرمين الشريفين، وبلاد الإسلام الأولى، وعن الدولة المعاصرة – المملكة – التي قامت على الإسلام وطبقته وخدمته وخدمت المسلمين، وتعاونت مع مختلف دول العالم فيما ينفع الإنسانية كلها.
فهي رمز المسلمين اليوم، ومحل اعتزازهم، ولذلك تجد المسلمين المخلصين، سواء في العالم الإسلامي، أو في بلاد الأقليات المسلمة، يتابعون ذلك المعرض ويعتزون به، ويأخذون منه المعلومات والصور، وما يوزع في المناسبة من وثائق ومنشورات.
بل إن العديد من الأكاديميين والمختصين في مراكز البحوث يعتمدون على ما في هذا المعرض في دراساتهم وأبحاثهم.
لقد أسهم هذا المعرض برئاسة سموه وتوجيه القيادة الكريمة بإيضاح الحقائق عن الإسلام الوسط المعتدل، المحارب للإرهاب والتطرف.
وإيضاح تطور المملكة وجهودها الوطنية والإقليمية والعالمية.
ولاشك أن ذلك أمر في غاية الأهمية.
فالعالم في حاجة إلى معرفة الحقائق على واقعها عن الإسلام والمملكة بشكل خاص.
وأعداء الإسلام، وأعداء المملكة، يستغلون جهل الكثير من الناس، وبخاصة المثقفين والأكاديميين ورجال الإعلام.
جهلهم بالإسلام والمملكة تاريخا وواقعا.
يدرك ذلك الكثير من المتابعين وذوى العلاقة.
وأعرف ذلك جيدا من خلال جولاتي العديدة في مختلف دول العالم، وما يتم فيها من لقاءات وأحاديث.
وأجزم بأن إيضاح الحقائق من أهم ما ينبغي أن تبذل فيه الجهود في الوقت الحاضر.
 
ولقد أدرك خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله – ذلك، واعتنى به، وأعطاه أولوية خاصة عبر مبادرته الكريمة الإسلامية العالمية في الحوار، وعقد المؤتمرات والندوات وإقامة مركز عالمي للحوار، فشكر الله له وأمد في عمره ونصر به دينه.
وبلا شك فإن المعارض والمؤتمرات والوفود من أبرز الوسائل التي تخفف الأزمات بين الأمم والشعوب، وتعرف المجتمعات، وبخاصة قياداتها الفكرية والإعلامية على بعضها.
لقد أسهم مهرجان الجنادرية إسهاما إيجابيا في التواصل مع العديد من الشخصيات المتميزة إقليميا وعالميا، مما جعل الكثير يفهم واقع المملكة واهتماماتها، ويغير نظرته السابقة عنها.
إننا في المملكة خاصة مطالبون بالعناية بهذا الجانب، والاستفادة من الفرص الخاصة بنا والمرتبطة بخصوصيات المملكة التي أكرمها الله بها، وفي مقدمتها مناسبة الحج التي لا يوجد لها نظير في العالم، للتعريف بالإسلام، وتاريخه، ودولته التي تعتز به في الوقت الحاضر – المملكة العربية السعودية – وما ينبغي أن يكون عليه تعاون الدول العربية والإسلامية فيما بينها خاصة وفيما بينها وبين دول العالم كافة.
باعتبار الإسلام رسالة عالمية، ورسوله صلى الله عليه وسلم بعث للناس كافة.
 
2 – الجانب التاريخي :
 
لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
ولا يمكن أن ينهض مجتمع يتساهل قادته وكباره بماضيهم وتاريخهم، وبخاصة المسلمين الذين قامت حضارتهم وعزهم على الإسلام، وكانت معظم دولهم الناجحة وتجاربهم تعنى بنشره وحمايته ومقدساته، وإضافة الجديد مما يفيد البشرية ولا يتعارض مع أسس الإسلام وأصوله.
وليس الحديث عن التاريخ الإسلام، فهذا ميدان واسع، ولكن الحديث عن تاريخ المملكة العربية السعودية خاصة، والجزيرة العربية عموما.
فتاريخ المملكة وتجارب قادتها ثري بالإيجابيات، التي أسهمت في تاريخ المسلمين وحضارتهم، ودافعت عن قيم الإسلام ومبادئه.
هذا التاريخ لا يمكن أن ينسى، ففيه من العبر الشيء الكثير، والتاريخ لا يهتم به لذاته، ولكن للاعتبار، والاستفادة من الإيجابيات، وتجنب السلبيات.
ولا يعني عدم الاهتمام بالواقع، وما جد فيه، والتعامل مع الأحداث بما يحقق المصالح العليا للمجتمع.
فلكل زمن ظروفه ومشكلاته، والوسائل المناسبة له، مع الحفاظ على أسس الدين وقيمه التي كافح الآباء في ترسيخها وإقامة هذا الكيان المتميز – المملكة العربية السعودية – ومجتمعها المترابط عليه.
سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز حفظه الله مدرسة في ذلك.
ولا أبالغ إذا قلت إن العديد من الأكاديميين المتخصصين في التاريخ بشكل عام وتاريخ الجزيرة العربية والمملكة بشكل خاص ليست لديهم الرؤية والمعلومات الموثقة والمتكاملة، كما هي عند الأمير سلمان.
أقول هذا من خلال تجارب مع سموه، ولي اهتمام خاص بتاريخ المملكة، فقد درَّسْتُه في المعاهد العلمية، وتابعت المدرسين المتخصصين فيه، وكتبت عن الملك عبد العزيز وجهوده وجهود من سبقة من أئمة آل سعود، ومن خلفه من أبنائه الكرام.
وأقامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مؤتمرا عالميا متميزا عن تاريخ الملك عبد العزيز، حُضِّرَ له قبل تاريخ عقده بثلاث سنوات، وبُذلت جهود متميزة في جمع الوثائق من مختلف أنحاء العالم، والتواصل مع الباحثين المتخصصين، وكنتُ متابعا شخصيا لذلك المؤتمر.
وحينما يجلس أحد من المتخصصين في تاريخ الجزيرة العربية، والمملكة مع سمو الأمير سلمان، أو يسمع كلامه عن ذلك التاريخ يدرك أن ما لدى سموه أدق وأعمق مما لدي كثير من المتخصصين.
ولا يخفى أن دارة الملك عبد العزيز قامت وتطورت، وأنتجت إنتاجا متميزا بتوفيق الله ثم بإشراف سموه الكريم ومتابعته الشخصية لأعمالها، حتى أصبحت منارة علمية تاريخية لا نظير لها في مجال اختصاصها، وإني لأعتز أن أمينها الأخ الدكتور فهد السماري أحد أبناء جامعة الإمام المتميزين، علما وخلقا وإخلاصا.
وفي المناسبة التاريخية بمرور مائة عام على دخول الملك عبد العزيز رحمه الله الرياض في عام 1419هـ، تكونت لجنة للتحضير للمناسبة برئاسة سمو الأمير سلمان ضمت عددا متميزا من المتخصصين في تاريخ المملكة وممن لهم تجربة وخبرة في أعمال الملك عبد العزيز، ومن خلفه من أبنائه البررة، وما كان من تطور وإنجازات في المملكة أو علاقاتها مع العرب والمسلمين، والعالم أجمع، وكنت أحد أعضاء اللجنة.
وقد استغرق التحضير للمناسبة فترة طويلة، وكانت الإنجازات عظيمة على مختلف المستويات.
ولا تزال في ذاكرتي مواقف وآراء لسموه في تاريخ الملك عبد العزيز، ومن خلفه من أبنائه، والمملكة وشخصياتها وإنجازاتها، يعجب الإنسان من حضورها في ذهنه، بل قد كان يصحح في العديد من المواقف والقضايا آراء متخصصين وأكاديميين.
وأعجب من ذلك حزمه في الاجتماعات وتركيزه على الجوانب العملية، وتغاضيه عن هفوات بعض المشاركين، التي قد تحدث نتيجة قلة خبرة أو درايه بما حصل من تقدم وإنجاز في عهد الملك عبد العزيز إلى العهد الحاضر.
والملفت في اهتمام الأمير سلمان بالتاريخ ما يتصف به من وفاء لمن يستحق الوفاء، وعدل في النظرة حتى مع من لا يتفق معهم، أو كانت لهم مواقف غير مناسبة.
وتركيزه على الإيجابيات، وترك السلبيات إلا حينما تكون ضرورة لذكرها وفائدة واضحة من ذلك.
وهذا نمط الكبار الذين لا يركزون على الأخطاء، بل ينظرون في الجوانب الإيجابية لأي موقف، وما آلت إليه الأمور من نتائج.
وحفظ المواقف الإيجابية لأصحابها والإشادة بها، والأمانة والصدق في النقل صفات لا يقدر عليها إلا عظماء الرجال.
 
3 – الجانب الإنساني :
 
الاهتمام بالجانب الإنساني، والتراحم والتعاطف بين المسلمين من بدهيات الإسلام وتوجيهاته :
( إنما المؤمنون إخوة ) و ( مثل المؤمنين في تعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) و ( المسلم أخو المسلم ).
وذلك من القيم الأصيلة، في مجتمع المملكة في أوقات كانت الأحوال المادية فيها شحيحة، وليس لدى الناس ما عندهم اليوم من الخير والسعة.
وأمراؤنا لهم سمت واضح في الاهتمام بالجانب الإنساني، باعتبار مسؤوليتهم التي اختارهم الله لها تجاه المواطنين، ولم يقتصر جهدهم وجهد أهل الخير على شعب المملكة، بل امتد إلى المسلمين في أي مكان، وإلى المنكوبين مهما كانوا.
والكلام في هذا مجاله واسع.
ومن يتحدث عن سمو الأمير سلمان لا بد أن يتحدث عن الجانب الإنسان ي الذي اتسم به عبر تاريخه الطويل، سواء أكان ذلك في داخل المملكة، ومنطقة الرياض على وجه الخصوص، أم في خارجها عبر هيئات الإغاثة، والعناية بالمصابين بالكوارث والمحن.
إن العمل الإنساني والخيري يحظى بعناية متميزة من سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز حفظه الله.
فقد تولى سموه رئاسة العديد من اللجان والهيئات المعنية بعون المحتاجين والمتضررين من الكوارث والزلازل والسيول، وليس ذلك في المملكة فحسب، بل البلاد العربية والإسلامية.
والمتابع لجهود سموه في هذا المجال يجدها منذ توليه المسؤولية في إمارة الرياض منذ سبعة وخمسين عاماً.
ومن بدايات تلك اللجان لجان التبرع والدعم للجزائريين ولمنكوبي السويس في عام 1956م، وللأردنيين والفلسطينيين في عام 1967م، وفي أعقاب حرب 1973م لمصر وسوريا والأردن، وللمنكوبين الباكستانيين في عام 1973م على إثر الحرب مع الهند، ودعم المجاهدين الأفغان وقت الاحتلال الروسي لبلادهم عام 1988م.          
ونذكر كثيراً من اللجان لمساعدة المتضررين في السودان واليمن وبنجلاديش ومصر وفلسطين في سنوات ومناسبات عديدة .
ولا ينسى موقف سموه الكريم في عون الإخوة الكويتيين بعد غزو صدام حسين لهم في عام 1990م.
وعلى المستوى الوطني أسس حفظه الله مركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة، ورأس العديد من المراكز واللجان المعنية بعلاج المرضى، وحل المشكلات الاجتماعية ورعاية الأيتام، وعون المحتاجين للزواج، وجمع الزكوات والصدقات وتوزيعها على المحتاجين.
وقد كان ذلك محل إشادة كبيرة، سواء داخل المملكة العربية السعودية أم خارجها في البلاد العربية والإسلامية والدولية، حيث حصل سموه على العديد من الأوسمة والأوشحة والجوائز والدروع.
ومستشفيات المملكة، وخاصة الرياض ومن فيها من الأطباء والعاملين يشاهدون سموه الكريم يتردد على المرضى ومن حصل له حادث، وقد تتكرر زياراته في اليوم واليومين أكثر من مرة.
وفي الذهن عشرات الحالات لمواقف سموه الكريم، واللجوء إليه بعد الله عند الحاجة، وأذكر حينما حصل حادث مفاجيء لفضيلة شيخنا الشيخ عبد الله الغديان رحمه الله قبيل المغرب، ويغلب على الظن أنه وقت إجازة، اتصل بي أحد أبنائه بضرورة نقله لأقرب طوارئ، فهاتفت سمو الأمير سلمان فوجه بنقله إلى التخصصي، وذهبت إلى طوارئ التخصصي للاطمئنان عليه، وفور وصولي إذا سمو الأمير سلمان يحضر بنفسه، ويتابع حالته الصحية.
أما زياراته للمرضى فيعجب الإنسان أن تحصل بهذه الكيفية من صاحب مسؤوليات عديدة وكثيرة.
ولن أنسى موقفا لسموه معي حينما كنت مديرا للجامعة.
بعد انتهاء حفل تخرج الطلاب في سنة من السنوات مساء بحضور ورعاية سموه الكريم ذهبت مباشرة إلى المستشفى العسكري في الرياض، حيث قد رتب لي ذلك مسبقا، ولم أشـعر أحدا حتى من أقاربي، ولم أخبر سموه، وفي الصـباح أجريت لي عملية جراحية، 
 
وبعد أن أفقت بعد صلاة الظهر، أفاجأ بالطبيب والممرضين يقولون لي : إن الأمير سلمان حضر قبل الصلاة للاطمئنان عليك والتوصية بالعناية بك، ولامني سموه لعدم إخباره بذلك.
وما أكثر الحالات التي يطلب مني أصحابها الاتصال بسموه أو الكتابة إليه لعونهم في العلاج، فيتم ذلك وبأقصى سرعة.
ولذلك أحب الناس سمو الأمير سلمان، وكانت له المكانة المتميزة لدى الضعفاء والمحتاجين.
والجاه والمنصب والمال لا قيمة لها إذا لم تستثمر في عمل الخير، ونفع الناس، والتخفيف من المآسي والكوارث.
وكم من إنسان يندم - حين لا ينفعه الندم - من تكريس جهده لجمع المال والمكاسب الشخصية، وينسى إخوانه وبني جنسه والمحتاجين في مجتمعه، حيث لا ينفعه ماله ولا جاهه حينما يعجز عن التصرف في المال، أو يفارق هذه الدنيا الفانية.
 
4 – الجانب العملي :
 
هذا الجانب في غاية الأهمية، على مستوى الدول والمنظمات والشركات والأفراد، فالإنجاز علامة النجاح، والدول المتقدمة والناجحة هي الدول العملية المنجزة.
والأشخاص الناجحون، وكذا المنظمات والشركات هم العمليون، الذين لا تضيع أوقاتهم في ردهات الروتين والفلسفة والنقاش النظري، وهم الذين لا يعتنون بالوسائل أكثر من الغايات والأهداف، وهذا أمر يدركه رجال الإدارة والاقتصاد والتخطيط السليم.
وهو على المستوى النظري محل قناعة، ولكن عند التطبيق يظهر الفرق بين الذي يسعى لتحقيق الهدف، وبين الذي يضيع الوقت والجهد في الوسائل، ويستسلم للروتين، الذي يهدر الوقت ويستنفذ الطاقة بدون جدوى.
إن الفيصل في ذلك هو الشخص الممارس، وبخاصة القيادي في العمل.
وكم ضاعت الفرص وأهدرت الطاقة بسبب ضعف المسؤول، وعدم اتخاذه القرار المناسب.
وكم تحققت إنجازات كبيرة بإمكانات محدودة بسبب انتهاز المسؤول الفرص وتعامله المناسب مع الظرف الذي يمر به، ومبادرته في تحمل المسؤولية، واتخاذ القرار ومحاسبة المقصر ممن تحت مسؤوليته.
ولا شك أن الإدارة فن، والقيادة مسؤولية متعددة الجوانب، وأن اختيار المؤهل الأمين من أقوى الأسباب في النجاح في العمل.
وهذا الأمر ينبغي أن يعطى الأولية على المستوى الرسمي والشعبي، إذا أراد الناس التقدم والاستقرار وحل المشكلات حلا صحيحا.
وتميز سمو الأمير سلمان – حفظه الله – في مجال الإدارة والإنجاز ورعاية المصلحة العامة يعرفه جيداً معاونوه والعاملون معه أكثر من غيرهم.
ولن أطيل فيه، لكن الذي أؤكد عليه أهمية الاستفادة من هذه التجارب التي أمامنا.
لماذا تدور المعاملات بين مختلف الإدارات أياما وشهورا، وقد تصل إلى السنوات، وتضيع مصالح أصحابها.
وإذا ما وفق الله صاحب القضية فعرض أمره على سمو الأمير سلمان وأمثاله من الرجال العمليين حلت القضية وبسرعة، هل هو مخالفة للنظام ؟
ليس مخالفة للنظام، فالإنجاز لا يتعارض مع الأنظمة، ولكن الفهم المغلوط أو التركيز على السلبيات، وتعقيد الأمر هو السبب في التأخير.
كم من المرات أكون في مكتب سموه في إمارة الرياض، وأمامه عشرات الملفات والقضايا، وعدد من المسؤولين التنفيذيين، وبمجرد اطلاعه على الملف يسلمه للمسؤول مع التوجيه اللازم.
وما هي إلا لحظات وتفرغ الطاولة، ويبدأ في سماع قضايا المراجعين، ويوجه مباشرة بحلها للمسؤول الموجود، أوله عبر الهاتف.
وأسلوب الأمير سلمان هذا يذكرنا بالطريقة التي كان يسلكها الملك عبد العزيز رحمه الله في الإدارة، واختيار الشخصيات القادرة على العمل والثقة بهم، وإعطائهم الصلاحيات المناسبة، ومحاسبة من يخطيء أيا كان، وحل المشكلات بأسرع طريق، والابتعاد عن الروتين الذي يفوت المصالح ويؤخر حلها.
يدرك ذلك من عاصر الملك عبد العزيز رحمه الله، أو تابع إجاباته على أمراء المناطق أو العلماء أو الوجهاء بأسلوبه المباشر الصريح، بعيدا عن اللف والدوران والتعقيد.
رحمه الله وغفر له، وأكثر الله ممن يسير على منهاجه من أبنائه وغيرهم من المسؤولين.
أين هذا من العديد من المسؤولين الذين يصعب إن لم يتعذر أن يقابلهم أو يهاتفهم صاحب المشكلة أو حتى يصل إليهم المسؤول التنفيذي في الإدارة التابعة لهم.
وهذا من أكبر المشكلات التي تواجه الإدارة على الرغم من توجيهات خادم الحرمين الشريفين.
وسمو ولي عهده يفتح الأبواب للمراجعين والسرعة في الإنجاز.
وعبر تجربتي الطويلة في الإدارة أجزم بأن المشكلة تكمن في المدير أو الرئيس، ولن ينتج المرؤسون إذا لم يكن لهم رئيس مؤهل وأمين ومقتدر.
والدولة وفق الله القائمين عليها إلى الخير حريصة كل الحرص على هذا الأمر، نسأل الله للجميع التوفيق والصلاح.
 
وأشير في هذه المناسبة إلى موقفين عايشتهما مع سمو الأمير سلمان :
أحدهما : حين اختار موقع جامعة الإمام الحالي، والذي تم خلال أسبوع وبطريقة لا يتوقعها أحد.
صدر لسموه توجيه الملك فهد رحمه الله بإنهاء الأمر في أقرب فرصة.
استدعى المسؤولين في وزارة المالية، وأمانة مدينة الرياض، وأنا معهم، استدعاهم لاجتماع برئاسة سموه انتهى باتفاق على المطلوب.
في اليوم التالي دعا عددا من العقاريين في الأماكن محل البحث ثم كلفني بالمتابعة معهم، وحينما استقر الأمر على الموقع المقترح خرج سموه بنفسه معه وكيل أمانة الرياض، وأنا معهما على سيارة جيب، حيث لا يوجد طريق معبد وذلك لمعاينة الموقع المراد شراؤه، وتفقده معنا.
هذا يعطي الآخرين دروسا عملية ميدانية.
وقبل نهاية الأسبوع تم التوقيع على شراء الموقع وأفرغ في الأسبوع الثاني.
هذا مثل حي يعطي العديد من المسؤولين درساً في الإيجابية والإنجاز في العمل.
 
الثاني : بعد إنشاء وزارة الشؤون الإسلامية وحاجتها إلى مقر خرج بنفسه وأنا معه والمسؤول عن الموقع وذلك للتأكد من مناسبة الموقع.
وعناية سمو الأمير سلمان حفظه الله بالوقت عناية متميزة خاصة، سواء في أوقات الدوام أو في الأوقات الأخرى.
فالمراجعون له في الإمارة يعجبون من وجوده في أول الدوام المبكر، بينما العديد من المسؤولين والموظفين لا يحضرون إلا بعد مضي وقت من الدوام، وقد يكون ساعات.
 وفي المناسبات التي يرعاها سموه لا يتأخر عن الوقت المحدد، وهذه الدقة المتناهية دليل على أهمية الوقت وقيمته لديه.
والوقت من أهم العناصر في حياة الإنسان، وبخاصة المسؤول الكبير، ولا يهتم به إلا ذو الهمم العالية، الذين يحاسبون أنفسهم على الإنجاز.
وديننا الحنيف يؤكد على أهمية العناية بالوقت، سواء في مواقيت العبادات وأماكنها وشروطها، أو في الوفاء بالالتزامات في الحياة اليومية، والتعامل مع الناس.
 
ومما يتميز به سموه الكريم معرفته الدقيقة بمناطق المملكة، مدنها وقراها، وشخصياتها وقبائلها وأسرها، وعاداتها، سواء في الحاضر أم الماضي.
أما منطقة الرياض حيث مسؤوليته الأولى، فالمعرفة التفصيلية الدقيقة أكثر وأكثر، وقد لا تجدها لدى أبناء المدينة أو القرية أو الأسرة.
وما بين المدن والقرى والأسر من حساسيات ومورثات تجد تفاصيلها لدى سموه الكريم.
وحينما كنت في الجامعة والوزارة يراجع أحيانا بعض المراجعين في أمور تتعلق بالمسميات أو الارتباط الإداري، ولا يقتنعون برأيي، ويتابعون ويلحون، عندها أقول لهم : أحضروا لي من سمو أمير المنطقة توجيها بذلك وبمجرد سماعهم ذلك يتوقفون عن الإلحاح، وينتهي الأمر.
 
وفي نهاية هذه اللمحات أشير بإيجاز إلى ما تتميز به المملكة العربية السعودية عن غيرها من خصائص من حيث النشأة والواقع، والتعامل مع المواطنين، ومع دول العالم والمجتمعات الأخرى.
وهي خصائص فريدة، ومحل رعاية واهتمام من القيادة الكريمة ومن المسؤولين في الدولة، ومن عامة الشعب السعودي على مختلف مستوياتهم وثقافتهم، ولها الأولوية لدى الجميع :
 
1- أبرز هذه الخصائص نشأة المملكة منذ تأسيسها الأول على الإسلام وخدمتها له، وللمسلمين، ورعايتها لحقوق الإنسان وفق شرع الله الذي يحكم أي تصرف أو نزاع، وتطبيق شرع الله على الكبير والصغير وفقاً لما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهما المرجع عند أي اختلاف.
 
2- الثانية : خصوصية المكان، فالمملكة مقر الحرمين الشريفين، قبلة المسلمين، ومكان حجهم، ومتنـزل الوحي، ومنطلق الرسالة، وأقدس بقعة في الأرض، ومن هنا كانت للمملكة مكانة متميزة لدى المسلمين وغيرهم.
 
وقد من الله على المملكة وقادتها ومسؤوليها بالتفاني في خدمة الحرمين الشريفين، ومشاعر الحج، ومواقيت الإحرام، وتوفير متطلبات الأمن والسلامة والراحة لقاصديهما. وهذا شرف للمملكة وملوكها وأهلها.
إن من نعم الله الكبرى على قادة المملكة وشعبها، وعلى الأمة الإسلامية كلها، ما أكرم الله به المملكة من خدمة الحرمين الشريفين، الذي هو خدمة للإسلام عقيدة وشريعة، وخدمة للمسلمين، حيث وفرت المملكة كل ما ييسر للمسلمين أداء حجهم وعمرتهم وعبادتهم في هذه الأماكن التي أكرمها الله وميزها على غيرها.
إن خدمة الحرمين الشريفين، أعظم خدمة للإسلام، الذي نزل في هذه البلاد، وانطلق منها، وحمله أبناؤه للعالم أجمع، رسالة رحمة وخير.
ولذلك فإن المسلمين يعتزون بهذه الخدمة، ويقدرونها حق تقديرها، حيث وفرت الأمن والاستقرار وأداء المناسك بيسر وسهولة.
وأصبح من هذا المنطلق خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده خادمان للمسلمين أينما كانوا.
 
إن استشعار قيادة المملكة ومسؤوليها وشعبها بهذه الأمانة والمسؤولية، وشعور المسلمين الصادقين ووفاءهم لولاة الأمر في المملكة، والقائمين على خدمة الحجاج والعمار والزوار، من أعظم نعم الله على المسلمين في هذا العصر.
وإن المملكة التي نشأت لخدمة الإسلام والمسلمين وتطبيق شريعته والدعوة إليه، وجمع كلمة أمته تعتز بأنها تسير على المنهاج الوسط الحق، الذي سار عليه نبي الإسلام وصحابته الكرام، وتناقلته أجيال المسلمين المهتدين بهديه، عبر التاريخ الإسلامي.
هذا المنهاج يجمع أتباع مختلف المذاهب الإسلامية المعتبرة على أصول الإسلام والإيمان من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعيداً عن الابتداع في الدين، وعناية بحماية الحرمين الشريفين وقاصديهما من الفتن والفوضى، وحفظاً لهما من البدع والمخالفات لنصوص الكتاب والسنة الجلية.
إن هذه الخصيصة للمملكة وقادتها وشعبها، والواقع العملي المطبق، يبرز للمسلمين وغيرهم الإسلام الحق الذي تسير عليه المملكة، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى أن تقوم الساعة ).
ويدعو مختلف الشعوب الإسلامية إلى تصحيح أوضاع مجتمعاتها، وفق هدي الله، وإلى الحرص على إظهار الدين الذي أرسل الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، وحملت الأمانة من بعده، أمته قادتها وعلماؤها:
( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره الكافرون ).
وإذا ما صدق المسلمون، واتبعوا نبيهم، والجيل الأول، في العلم والعمل والدعوة، و أخذوا بالأسباب الممكنة، واتكلوا على الله، فإن الله ناصر دينه وناصر المؤمنين الصادقين : ( إن تنصروا الله ينصركم ).
والمملكة قدوة لبقية المسلمين، أسأل الله لها ولقادتها وعلمائها وشعبها الثبات على الحق، والصبر عليه.
وإن من أهم ما ينبغي العناية به من المسلمين كافة وقاصدي الحرمين الشريفين خاصة، استشعار حرمة الحرمين الشريفين، وأنهما ليسا كغيرهما من البقاع، فهما لعبادة الله، وعبادة الله يجب أن تكون خالصة له، وفق هدي نبيه.
على قاصد الحرمين الشريفين استشعار ذلك، وتعظيم حرمات الله ومشاعره، والابتعاد عن الرفث والفسوق، وما يثير النزاع والفتنة والفوضى، وعدم استغلال مناسبة الحج والعمرة لمقاصد غير مقاصدهما، من المصالح الشخصية أو السياسية أو تصفية الحسابات مع الآخرين.
 
3- الثالثة : أن المملكة بلاد العرب الأولى، فكل القبائل العربية التي انتشرت في العالم العربي والإسلامي، وبخاصة بعد ظهور الإسلام، وإكرام الله المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان بحمل رسالة الإسلام للبشرية ونشرها.
هذه البلاد هي مكانهم الأول.
هذه الخصائص الثلاث وغيرها الكثير، جعلت للمملكة وزنا إسلاميا وعالميا، وتأثيرا في مختلف المستويات، انطلاقا من الرسالة العظيمة التي تحملها المملكة.
وجعل شعبها مرتبطا بولاة الأمر فيها، وفق ما شرع الله وأوجبه من طاعة ولي الأمر والحرص على السمع والطاعة، واجتماع الكلمة. وجعل قادتها حريصين على مواطنيهم حرصهم على أنفسهم، متفانين في أداء الأمانة التي عليهم، عدلاً ورحمة وإصلاحاً.
وهذا ما يؤكد أن ما تعيشه المملكة من أمن واستقرار واجتماع كلمة ورغد في العيش إنما هو بفضل الله وكرمه ثم بتطبيق شرع الله، وأداء كل واجبه نحو الآخرين، القادة تجاه الشعب، والشعب تجاه قادتهم.
وهذا ما يؤكد علينا جميعاً مسؤولين وغير مسؤولين أن نضع هذه الخصائص نصب أعيننا، وأن نتفانى في نقل هذه القناعات، وهذا التلاحم إلى أجيالنا القادمة.
وأن نقف صفاً واحداً أمام أي ساع يريد التأثير على هذا التلاحم، أو الإساءة إلى المملكة وشعبها، سواء أكان عدواً ظاهراً، يحمل عداوة لمنهاج المملكة وما تسير عليه وفقاً لمنهج سلفنا الصالح، أم مغرراً به بافتراءات، أو فهم للإسلام على غيري حقيقته.
لنحذر من الطرفين، ولنعي رسالتنا وواجبنا، ونحمد الله أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين حريصان على ما ينفع الشعب، ويخدم الإسلام والمسلمين ويحافظ على هذه النعم العظيمة.
وإن ثقة خادم الحرمين الشريفين في سمو الأمير سلمان يعتز بها كل مواطن، لما لدى سموه من رؤية صحيحة، وتمسك بالدين، ووفاء للتاريخ ورجاله، وتطلع إلى مستقبل لهذه البلاد مرتبط بما فيها ومحقق طموحات أبنائها المخلصين.
 
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وجزاه أعظم الجزاء على رعايته الكريمة لأبناء شعبه، وحرصه على نهضة المملكة وتقدمها، واختياره الشخصيات الحريصة على ذلك، والقادرة عليه.
ووفق الله سمو الأمير سلمان على أداء المسؤولية الضخمة التي تحملها، وهو لها أهل.
ووفق المسؤولين جميعاً إلى ما فيه الخير لنا ولبلادنا وللمسلمين كافة.
 
وصلى الله على نبينا محمد وسلم.
 
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
تاريخ النشر: 
21/07/2012 - 18:45
الموافق : 
2/9/1433هـ


مواقع التواصل الاجتماعي

 

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق