العربية   Français  English

 
بقلم: السيد محمد محمود الشردوب
 
لما سمعت قصتها و كلامها، وهي تتحدث عن مسيرتها الجهادية، ورحلتها الإيمانية، جذبتني مواقفها، وشدتني نبرات صوتها، ورق قلبي وهي تتحشرج بالكلمات، وتتساقط الدمعات من عينيها، وتغص بالكلام فما تكاد تظهر لولا ثباتها ورباطة جأشها، ومعاودة الحديث عن رحلتها ومسيرتها.
لقد تذكرت بحديثها موقف امرأة عمران وابنتها "مريم" {إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم، فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} وقصتها معروفة في القرآن الكريم.
لقد كنت أقرأ ذلك، ولم يكن يخطر لي على بال أن الصورة ستتكرر في القرن الخامس عشر الهجري!
أجل.. لقد أعاد التاريخ ذكرياته، ها هي الأخت الفلبينية "ماريا" تلدها أمها بعد حرمان، وينذرها أبوها للكنيسة، فأبوها كاثوليكي متدين، وتعيش فتاتنا صاحبة الأربعة عشر ربيعاً في أحضان الكنيسة، وتتلقى تعاليمها وطقوسها على أيدي القسس، لتصبح بعد فترة من الزمن مثقفة والعة بالدين، الذي عليه أبواها وأهل بلدتها قاطبة، تقول عن نفسها: "لقد تعلمت النصرانية وبدأت أتفقه في الدين" حتى أصبحت مدافعة عن الكنيسة ومبينة لأفكارها وعقائدها، وأثمرت غرسة الأبوين، وفرحا بفتاتهم اليافعة!
 
وسارت الأمور على هذه الوتيرة، ولكن مع نمو الفتاة، واتساع دائرة معرفتها وانشغالها في دراسة التمريض، واطلاعها على الحياة، أخذت تشعر بخواء روحي، فلم تعد الكنيسة تملأ مشاعرها وتطلعاتها.
وأمام ضيق ذات اليد عند أبيها، شعر بحاجة ابنته وعملها، ولم يعد الدخل في الفلبين يكفي لسد حاجة الأسرة رغم قلة عدد أفرادها، مما جعل الوالد يفكر في خروج ابنته إلى بلد ذي دخل طيب، وكان القدر يسوق البنت الممرضة إلى المملكة العربية السعودية، وأصبحت الأسرة أمام خيارين أحلاهما مر بالنسبة لها، إما الفقر والحاجة، وإما السفر إلى مهد الإسلام، وبلد الحرمين الشريفين، ومعه الخوف على دين الفتاة الراهبة، واختارت الأسرة الخيار الثاني، وقامت باعطاء الفتاة جرعات وقائية ضد الإسلام، وتوصيات منفرة حتى لا تترك دينها، وتدخل في الإسلام، تقول ماريا: "أخذت من الكنيسة تعاليم مضادة للإسلام حتى كرهت هذا الدين" وتقول: "وأخذ أبواي علي عهداً أن لا أتصل بمسلم" وحفظت الفتاة الدرس، وعزمت على تنفيذ الوصية، وجاءت إلى المملكة على مضض، يراودها الأمل في الراتب والدخل، فتسترسل في أحلام وآمال، ويقطع أحلامها هاجس الإسلام والرعب من المسلمين، وقدمت إلى أبها في مستوصف "القابل" وتسير في عملها حذرة تأخذ مع الزائرين والزائرات وتعطي بمقدار ما تحتاج المصلحة، ولكن طبيعة العمل فرضت عليها الانفتاح بعض الشىء، وكان نصيبها مع أخت سعودية حريصة على الدعوة تقول الأخت ماريا: "وأخذت هذه الأخت تمدني بالأشرطة والكتب" ثم شاءت إرادة الله تعالى أن تتعرف على طبيب في المستوصف فأعطاها معلومات وافية عن الإسلام.
 
ومن حينها بدأت مسيرة الحياة.. مسيرة الإنقاذ.. مسيرة الخروج من الظلمات إلى النور، من لوثة التثليث إلى صفاء التوحيد، ومن طقوس الضلال والدجل إلى ظلال الإسلام ورحمته.
 
أخذت القناعات تتسلل إلى قلبها وعقلها، وأخذت المقارنات بين ما كان في الكنيسة وظلماتها، وبين وضوح الإسلام وصراحته، وقررت أن تقرأ القرآن، وهي المسيحية الكاثوليكية المثقفة، وقرأته بالفعل، فما الذي حدث؟ تقول الأخت ماريا: "وجدت أن القرآن يخاطبني شخصياً" ثم جاء شهر رمضان فأحبت في نفسها أن تجرب الصيام، بعد أن رأت جموع المسلمين تقوم بهذه الفريضة، وفعلا صامت! فلاحظت شعوراً روحياً وزيادة ملحوظة في هذا الجانب ومن ثم تناست مهمتها "كمنصرة" واتجهت إلى الله تعالى، عرفت الطريق إلى الدين الصحيح، وجاءت إلى مركز دعوة وتوعية الجاليات بأبها لتعلن إسلامها على العالمين، وتريد تغيير اسمها إلى "مريم" تيمنا بأم عيسى - عليه السلام - وبدأت محنة اعتناق الدين الإسلامي مع الأهل والوالدين خصوصاً، ولم ترد أن تكتم إسلامها، فأخبرت والديها بذلك، فكان النبأ كالصاعقة تنزل عليهما، لقد تعبا وربيا، وعلماها وغذياها بكل ما يضاد الدخول في الإسلام، أو مجرد التأثر به، ولكن الله غالب على أمره، ولابد للإيمان أن يأخذ طريقه إلى النفوس الصافية الصادقة، قال لها أبوها وأمها وإخوتها بلسان واحد: "نحن بريئون منك حتى تعودي إلى دينك، وبصراحة تامة - إنك تريدين أن تسببي لنا مشاكل ببقائك مسلمة"!
وكان موقف الأخت ثابتا ثبوت الجبال الراسيات "مادام الله راضياً عني فلا أبالي" وعندما سئلت عن تعاليم الإسلام انطلقت قائلة: "لقد مارست العبادة وشعرت بحلاوتها وخاصة الصيام".
 
يا الله.. ما أجمل الإيمان حينما يخالط شغاف القلب، وما أعذب الطاعة عندما تنطلق من إيمان يملأ جوانب النفس، ويشرق في قسمات الوجه، وتنصبغ به الحياة! وأمام هذا الإيمان واستمراريته بدا موقف الأسرة يتراجع القهقرى، وبدأ موقف الإيمان يعلو، وتعلن الأسرة: "لا مانع عندنا من موقفك ودخولك في الإسلام، ولكن لا نريد تغيير اسمك. ويقول الأخوة في مكتب دعوة وتوعية الجاليات بأبها لها: ولا مانع من بقاء اسمك "ماريا" فهو اسم زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام - القبطية، قبل الإسلام وبعد الإسلام، وحين تشرفت بأن تكون زوجاً لرسول رب العالمين عليه الصلاة والسلام.
ويستمر علو الإيمان، وتعلن الأخت "ماريا": أتمنى أن يبارك الله في قدرتي لأنقذ أبي.
 
وهكذا كان موقفاً مشهودا يوم الجمعة: 24/10/1421هـ على منصة دعوة وتوعية الجاليات للفتاة المسلمة، البالغة من العمر (23) عاماً، وبعد سنة ونصف من دخولها المملكة واستجابتها لنداء الفطرة، وداعي الإسلام، ودخولها في رحابه الطاهرة.
 
والتقت هذه الأخت مع أخت سبقتها من "زامبيا" أسلمت قبلها بثلاثة أشهر، فقالت لها: "نحن سعداء بهذا القرار الذي اتخذته الأخت "ماريا" وندعو الله أن يثبتها، وأنا أعجز عن التعبير عن الشعور الذي انتابني بإسلام هذه الأخت، أهلا ومرحباً بك أيتها الأخت المجاهدة في رحاب الإيمان، وعلى مائدة الإسلام، وبين أهلك وأحبابك، وإخوانك في الله.
 
{فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب}. الزمر 18
 
تاريخ النشر: 
03/02/2016 - 16:45


مواقع التواصل الاجتماعي

 

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق