العربية   Français  English

 
لما سمعت قصتها وكلامها، وهي تتحدث عن مسيرتها الجهادية، ورحلتها الإيمانية، جذبتني مواقفها، وشدتني نبرات صوتها، ورق قلبي وهي تتحشرج الكلمات في فمها، وتتساقط الدمعات من عينها، ونغص بالكلام فما تكاد تظهر لولا ثباتها ورباطة جأشها، ومعاودة الحديث عن رحلتها ومسيرتها.
لقد تذكرت بحديثها موقف امرأة عمران وإبنتها " مريم " (إذ قالت امرأة عمران رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) (1) وقصتها معروفة في القرأن الكريم.
 
لقد كنت أقرأ ذلك، ولم يكن يخطر لي على بال أن الصورة ستتكرر في القرن الخامس عشر الهجري.
آجل لقد اعاد التاريخ ذكرياته هاهي الأخت الفلبينية " ماريا " تلدها أمها بعد حرمان، وينذرها أبوها للكنيسة، فأبوها كاثولكي متدين، وتعيش فتاتنا صاحبة الأربعة عشر ربيعاً في احضان الكنيسة، وتتلقى تعاليمها وطقوسها على ايدي القسس، لتصبح بعد فترة من الزمن مثقفة والعة بالدين الذي عليه أبواها وأهل بلدتها قاطبة، تقول عن نفسها: "لقد تعلمت النصرانية وبدأت اتفقه في الدين" حتى أصبحت مدافعة عن الكنيسة، ومبينة لأفكارها وعقائدها، واثمرت غرسة الأبوين، وفرحا بفتاتهم البالغة .
 
وسارت الأمور على هذه الوتيرة، ولكن مع نمو الفتاة، واتساع دائرة معرفتها وإنشغالها في دراسة التمريض، واطلاعها على الحياة، أخذت تشعر بخواء روحي، فلم تعد الكنيسة تقنعها، وتلبي تطلعاتها.
 
وأمام ضيق ذات اليد عند ابيها، شعر بحاجة أبنته وعملها، ولم يعد الدخل في الفلبين يكفي لسد حاجة الأسرة رغم قلة عدد افرادها، مما جعل الوالد يفكر في خروج أبنته إلى بلد ذي دخل طيب، وكان القدر يسوق البنت الممرضة إلى المملكة العربية السعودية، وأصبحت الأسرة أمام خيارين أحلاهما مر، كما يقال إما الفقر والحاجة، وإما السفر الى مهد الإسلام، وبلد الحرمين الشريفين، ومعه الخوف على دين الفتاة الراهبة، واختارت الأسرة الخيار الثاني، وقامت بإعطاء الفتاة جرعات وقائية ضد الإسلام، وتوصيات منفرة حتى لاتترك دينها، وتدخل في الإسلام الكريم، تقول ماريا: "وأخذت من الكنيسة تعاليم مضادة للإسلام حتى كرهت هذا الدين وتقول: "وأخذ أبوي علي عهداً أن لا اتصل بمسلم" وحفظت الفتاة الدرس، وعزمت على تنفيذ الوصية، وجاءت إلى المملكة على مضض، يراودها الأمل في الراتب والدخل، فتسترسل في احلام وآمال، ويقطع احلامها هاجس الاسلام والرعب من المسلمين، وقدمت إلى أبها في مستوصف" القابل" وتسير في عملها حذرة، تأخذ مع الزائرين والزائرات وتعطي بمقدار ماتحتاج المصلحة، ولكن طبيعة العمل فرضت عليها الانفتاح بعض الشيئ، وكان نصيبها مع أخت سعودية حريصة على الدعوة تقول الأخت ماريا.
"وأخذت هذه الأخت تمدني بالاشرطة والكتب" ثم شاءت إرادة الله تعالى أن تتعرف على طبيب في المستوصف فأعطاها معلومات وافية عن الإسلام ،ومن حينها بدأت مسيرة الحياة.
 
 
مسيرة الإنقاذ
 
مسيرة الخروج من الظلمات الى النور، من لوثة النثليث إلى صفاء التوحيد، ومن طقوس الضلال والدجل إلى ظلال الإسلام ورحمته.
 
أخذت القناعات تتسلل إلى قلبها وعقلها، وأخذت المقارنات بين ماكان في الكنيسة وظلماتها، وبين وضوح الإسلام وصراحته، وقررت أن تقرأ القرأن، وهي المسيحية الكاثوليكية المثقفة، وقرأته بالفعل، فما الذي حدث ؟؟ تقول الأخت ماريا: "وجدت أن القرأن يخاطبيني شخصياً" ثم جاء شهر رمضان.
 
فأحبت في نفسها أن تجرب الصيام، بعد أن رأت جماعة المسلمين تقوم بهذه الفريضة، وفعلاً صامت، فلاحظت شعوراً روحياً وزيادة ملحوظة في هذا الجانب ومن ثم تناست مهمتها" كمنصرة" واتجهت إلى الله تعالى، عرفت الطريق الى الدين الصحيح ن وجاءت إلى مركز دعوة وتوعية الجاليات بأبها لتعلن إسلامها على العالمين، وتريد تغيير اسمها إلى "مريم" تيمناً بأم عيسى – عليه السلام – وبدأت محنة اعتناق الدين الإسلامي مع الأهل والوالدين خصوصاً، ولم ترد أن تكتم إسلامها، فأخبرت والديها بـذلك، فكان النبأ كالصاعقة تنزل عليهما، لقد تعبا وربيا وعلماها وغذياها بكل ما يضاد الدخول في الإسلام، أو مجرد التأثر به ولكن الله غالب على أمره، ولابد للإيمان أن يأخذ طريقه الى النفوس الصافية الصادقة، قال لها ابوها وأمها وإخوتها بلسان واحد: "نحن بريئون منك حتى تعودي إلى دينك، ونريد منكم البقاء على دينك – بصراحة تامة – إنك تريدين أن تسببي لنا مشاكل ببقائك مسلمة " وكان موقف الأخت ثابتاً ثبوت الجبال الراسيات" ما دام الله راض عني فلا أبالي" وعندما سئلت عن تعاليم الإسلام انطلقت قائلة: "لقد مارست العبادة وشعرت بحلاوتها وخاصة الصيام" ياالله .
 
ما أجمل الإيمان حينما يخالط شغاف القلب، وما أعذب الطاعة عندما تنطلق من إيمان يملا جوانب النفس، ويشرق على قسمات الوجه، وتنصبغ به الحياة، وأمام هذا الإيمان واستمراريته بدأ موقف الأسرة يتراجع القهقري، وبدأ موقف الإيمان يعلو وتعلن الأسرة "لامانع عندنا من موقفك ودخولك في الإسلام ولكن لا نريد تغيير اسمك" ويقول الأخوة في مكتب دعوة الجاليات بأبها لها: ولا مانع من بقاء اسمك "ماريا" فهو اسم زوجة الرسول – صلى الله عليه وسلم – القبطية، قبل الإسلام وبعد الإسلام، وحين تشرفت بأن تكون زوجاً لرسول رب العالمين – صلى الله عليه وسلم – ويستمر علو الإيمان، وتعلن الأخت "مريا" أتمنى أن يبارك الله في قدرتي لأنقذ ابي من الكاثولكية، وهكذا كان موقفاً مشهوداً يوم الجمعة: 24/10/1421هـ على منصة مكتب دعوة وتوعية الجاليات للفتاة المسلمة، البالغة من العمر (23) عاماً، وبعد سنة ونصف من دخولها المملكة واستجابتها لنداء الفطرة، وداعي الإسلام، ودخولها في رحابه الطاهرة.
 
تاريخ النشر: 
03/02/2016 - 17:00


مواقع التواصل الاجتماعي

 

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق