فإن المجمـع الفقهـي الإسلامـي برابطة العالم الإسلامي في دورته العشرين المنعقـدة بمكـة المكرمـة، في الفترة من 19-23 محرم 1432هـ التي يوافقها: 25ــ29 ديسمبر 2010م قد ناقش ما أثير في بعض البلاد الإسلامية من توجه لإصدار أنظمة في ميراث المرأة تتعارض مع ما قررته الشريعة الإسلامية.

وإظهاراً للحق، وأداءً للواجب رأى المجمع إصدار بيان في هذا الموضوع المهم يبين فيه حكم الشريعة الإسلامية.

والمجمع يذكر جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن عليهم العمل بأوامر الله وأن يجتنبوا نواهيه، وأن يتحاكموا إلى شرعــه، قــال تعالى: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ الرعد(41)، وقال تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ المائدة(44)، وقــال تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ المائدة(45) وقال تعالى ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة(47).

وأن عليهم أن يعلموا أن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمـــه الله، والديـــن ما شرعـــه الله،قال تعالى ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) الأنعام(57). وأنه لا يوجد في الدنيا نظام ينشر الطمأنينة والرخاء والعدالة مثل ما شرعه الله لخلقه؛ لأنه أعلم منهم بما يصلح حالهم. قال تعالى:( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك(14).

فإصدار أنظمة وقوانين في ميراث المرأة تتعارض مع أحكام الشريعة حرام شرعاً، ومخالفة صريحة لشرع الله القويم، قال تعالى (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) الأعراف(3).

فالذين يأخذون بالقوانين الوضعية المخالفة لما أنزل الله قد ضلوا سواء السبيل؛ فكما أنه يجب إفراده في عبادته فإنه تجب طاعته في أحكامه وتحرم مخالفته، قال تعالى :( وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) الكهف(110) وقال تعالى ( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف(26).

وإن المجمع إذ يبين ذلك يوضح لكل من يدعو إلى الحكم بغير شرع الله، أو معارضة ما شرع الله في الميراث وغيره، أو يسعى إلى ذلك من أفراد أو جماعات أو حكومات يدعوه أن يرجع عن قوله أو فعله هذا ويتوب إلى الله، قال تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) النور(51).

وأن يعلم أن التقدم والرقي إنما هو في اتباع شرع الله وتحكيمه في كل كبيرة وصغيرة، وأن على المسلمين ألا يصغوا إلى الدعاوى الباطلة والأهواء المضلة،

ويجب عليهم التسليم الكامل لحكم الله، كما قال تعالى :(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) النساء(65)، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا) الأحزاب(36).

ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الشريعة الإسلامية بنيت على جلب المصالح للأفراد والجماعات وتكميلها، ودرء المفاسد عنهم وتقليلها.

ومن عرف أدلة الشريعة المطهرة وفهم مقاصد الكتاب والسنة علم أنه ما من حكم من أحكامها إلا وهو يتضمن جلب مصلحة أو مصالح أو درء مفسدة أو مفاسد، وهذا مقتضى كونها رحمة للعالمين، ونوراً وهدى وموعظة للمؤمنين، كما قال عز وجل : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )الأنبياء: (107). وقال : (وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) هود: (120).

وما شهدت له الشريعة بالصلاح والنفع فهو المصلحة قطعاً، وما شهدت له بالفساد فهو المفسدة قطعاً.

والخروج عن هذا الميزان يعني اتباع الهوى، والهوى لا يصلح معياراً لتمييز الصلاح عن الفساد، كما قال تعالى :( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ )ص(26).

وهذا الميزان لا يقتصر على الحياة الدنيا من غير التفات إلى مصالح الحياة الآخرة، فإن مصالح الدنيا في نظر الشريعة محكومة بسلامة مصالح الآخرة، خلافاً لما عليه القوانين والنظم البشرية التي يراعي واضعوها ما يظنونه مصلحة دنيوية من غير اعتبار لمصالح الآخرة، قال تعالى (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم(7).

والشريعة الإسلامية عنيت بكل ما يتعلق بتحقيق مصالح المرأة، بل أولتها اهتماماً كبيراً، ورفعت مكانتها.

وقد بين القرآن والسنة أدق التفصيلات التي تتعلق بحياة المرأة، وتحفظ لها حقوقها، في أحكام النكاح والعشرة والطلاق والخلع والميراث وغير ذلك، وجعلت مخالفة هذه الأحكام من الظلم، ومن تعدي حدود الله الموجب للعذاب الأليم، قال الله تعالى بعد أن بين بعض أحكام الطلاق :( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) الطلاق(1).

وقال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة(229).

وكفلت الشريعة للمرأة الحياة الكريمة التي تليق بمكانتها في جميع المجالات.

وإذا كان هناك تفاوت في نصيب الرجل عن المرأة في بعض حالات الميراث فإن الله تعالى قد أوجب على الرجل من الحقوق المالية ما لم يوجبه على المرأة، كالصداق المفروض على الرجال في قوله تعالى : (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) النساء(4).

وكالنفقة والكسوة في قوله تعالى : (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة(233).

فالرجـل مكلــف بالإنفاق على الأسرة، والمرأة تأخذ نصيبها ولا تكلــف بالإنفاق على أحد، وكالسكنى الواجبة على الرجال كمـــا في قولــــه تعالى ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) الطلاق(6). وكالمتعــة للمطلقة قال تعالى : (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة(241).

فالحكمة واضحة في عدالة تفاوت الرجــل عــن المرأة في الميراث إذا كانا يدليان بجهة واحدة، قال تعالى: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) النساء (11)، وقال تعالى (فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) النساء(11).

والثلثان الباقيان للأب بالتعصيب، لقوله صلى الله عليه وسلم (الحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر).

على أن تفاوت ميراث الذكر عن الأنثى ليس مطرداً، ففي بعض الأحوال يكون نصيب الأنثى مثل نصيب الذكر، كما في حال ميراث الأبوين من أولادهما ممن له ولد، كما قال تعالى (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ) النساء(11) وكالأخوة لأم.

وهذا التساوي يوجد في حالات في الميراث معروفة لدى أهل الاختصاص.

والمستقرئ لعلم المواريث في الإسلام يجد أن هناك حالات كثيرة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل أو أكثر منه، أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال، في مقابلة حالات محدودة ترث فيها المرأة نصف ميراث الرجل، كما هو مفصل في علم المواريث.

ومما تقدم يتبين، بكل وضوح الأمور التالية :

إنصاف الشريعة للمرأة، وإعطاؤها كامل حقوقها، على وجه لم تنله على مر العصور.

والذين يسعون لإصدار القوانين والنظم في ميراث المرأة مما يخالف ما شرعه الله، ويزعمون أن هذا تنمية للمرأة، مصادمون لمحكمات الشريعة وقواعدها الثابتة التي لا تقبل التبديل والتغيير، ومعتدون على حدود الله الذي حذر الله منه في نهاية آيات ميراث الأصول والفــروع والزوجيـــن بقولـــــه ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ )النساء(13-14).

وإن المجمع ليدعو حكام المسلمين وعلماءهم وكل من استرعاه الله شيئاً من أمورهم أن يكون الشرع المطهر هو المطبق والمرجع للأنظمة التــي يصــــدرونها، امتثـــالاً لقوله تعالى:( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) الجاثية(18).

نسأل الله أن يوفق المسلمين لما يحب ويرضى، وأن يجنبهم مضلات الفتن وأسباب الزيغ والمحن، وأن يوفقهم للعمل بشريعته واتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

التاريخ الهجري:  27/1/1432 التاريخ الميلادي:  2011-01-02 م